torath 313 FEB - MAR 2026

تراث البشت

عباءة الصحراء: إرث الخليج العربي إلى «اليونسكو»

البشت والرمز ِد البِِش ْْت صورة حيّّة من تاريخ المجتمع العربي وثقافته، �ِّ يُُجس ويُُعد أحد أبرز مكوّّنات الزي الرجالي التقليدي في المنطقة العربية، حيث يُُرتدى عادة فوق الكندورة أو الثوب، ولا س ّيّما ٍ سواء. ولم يكن البشت �ٍّ في مناسبات الفرح والحزن على حد مجرّّد لباس وظيفي، بل اكتسب دلالات رمزية عميقة، إذ مثّّل عبر التاريخ رم از للهيبة والوقار والمكانة الاجتماعية والانتماء الثقافي، وعكس منظومة القيم السائدة في المجتمع، فضلا عن كونه مرآة صادقة لتاريخ المجتمع وتحولاته وحمولته الثقافية. وتتمي ّّز البشوت بتنوّّع خاماتها، إذ ت ُُصنع من القطن أو الصوف أو الحرير، ويختلف اختيار هذه الخامات تبعا لطبيعة يُُزََّن أطراف البشت البيئة والمناخ والمناسبة الاجتماعية. كما ت بتطريزات تقليدية دقيقة تضفي عليه طابعا رسميا ومكانة اجتماعية مميّّزة، وتُُعد هذه الزخارف عنصار جماليا ووظيفيا في آن واحدٍٍ. من حيث التعريف اللغوي، يُُقصد بالبِِش ْْت عباءة الرجل، والعباءة لفظة عربية فصحى، في حين يُُعد لفظ «بِِش ْْت» لفظة فارسية الأصل. وقد أشار الحنفي في معجم الألفاظ العامية البغدادية إلى هذا الزي بقوله: «فلا يعجن إلا وعليه ملعبة أو بشت مقطوع الأكمام». ويرجع أصل البشت إلى بواطن الجزيرة العربية، حيث كان الغالب على لباس المجتمعات البدوية ارتداء عباءة خارجية تقي من حرارة النهار وبرد الليل، وتُُلبس فوق الثوب أو الدشداشة. ولم يكن البشت في بداياته مجرّّد زيّّ، بل أداة متعددة الوظائف؛ إذ اسُتُخدم في السفر والتخييم، وفي بعض الحالات كان يُُستعمل غطاء للحماية أو

نماذج من الشغل اليدوي التقليدي على البََش ْْت

حتى للنوم في الصحراء. ص ُُنع البشت تقليديا من صوف الماعز ووبر الإبل، وكان يُُجلب من المناطق الصحراوية التي يقطنها البدو مثل دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية ٍ سواء. �ٍّ السعودية، وقد لبسه كل من البدو والحضر على حد ومع تطور الزمن وتزايد الطلب عليه، تطوّّرت طرق صناعته وتنوّّعت خاماته وألوانه وزخارفه بما يتناسب مع المناخ والبيئة وذوق المجتمع. وفي فصل الشتاء، كانت تُُستخدم الخامات الأثخن لتوفير الدفء، وتنوّّعت أقمشة البشوت بين القطن والصوف والحرير، ومع ازدياد الحاجة، جرى استيراد الصوف من مناطق بعيدة مثل العراق وإيران وسوريا. وتعزّّز الاكتشافات الأثرية أهمية البشت بوصفه منتجا تراثياًً، إذ عثرت البعثات

مريم سلطان المزروعي تحظى الملابس التقليدية بأهمية كبيرة في المجتمعات العربية الواقعة على امتداد ساحل الخليج العربي وعمقه الصحراوي، إذ ت ُُعد من أبرز المظاهرالدالة على هوية المجتمع وانتمائه الثقافي، كما تمث ّّل وسيلة للتعر ّّف إلى البيئة الاجتماعية والاقتصادية التي ينتمي إليها الفرد. ويُُلاحظ الباحث في تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج العربي وجود تشابه كبير في الموروث الثقافي والتاريخي بين هذه المجتمعات، نابع من وحدة البيئة الجغرافية، سواء الساحلية أو الصحراوية، وما ارتبط بها من أنماط حياة متقاربة، مثل: الغوص على اللؤلؤ، والرعي، والتجارة البحرية. وقد أسهم التقارب الجغرافي والحدود المشتركة في توحيد العادات والتقاليد، ومن بينها أنماط اللباس التقليدي، التي تميّّزت بالتشابه في الخامات والأشكال والوظائف، بما يتلاءم مع المناخ الصحراوي الحار، والقيم الاجتماعية والدينية المشتركة. ويعكس هذا التشابه وحدة الهوية الثقافية بين دولة الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج العربي. كما يظهرالتفاوت الاجتماعي والاقتصادي بوضوح من خلال أنماط اللباس، إذ يمكن الاستدلال على مكانة الفرد الاجتماعية ومهنته من نوعية ملابسه. فقد تميّّزت ملابس التجار، وتجار اللؤلؤ، ورجال الدين بخصائص معينة من حيث الجودة والخامة، في حين ارتدى العمال والمزارعون ملابس أبسط وأقل جودة، غالبا ما كانت تقتصر على الفانيلة والوزار والنعال الجلدية العادية أو القمصان أثناء العمل. أما الطبقات الرفيعة المستوى والغنية، فقد اتسمت ملابسها بالتناسق وجودة الأقمشة، وارتداء القطع مرتفعة الثمن، مثل: البشوت الفاخرة، والدشاديش، والغ ُُتر الممتازة، والأحذية الجيدة.

77

76 عباءة الصحراء: إرث الخليج العربي إلى «اليونسكو»

2026 فبراير - مارس 313 / العدد

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online