torath 313 FEB - MAR 2026

تراث البشت

البشت: من الخليج إلى «اليونسكو» مع تعاظم الوعي بأهمية التراث الثقافي غير المادي، أُُدرج البشت رسميا في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) ، ما يؤكد مكانته ليس في الخليج العربي 2025 عام فقط، بل في التراث الإنساني العالمي أيضاًً. وقد جاء هذا الإدراج ضمن ملف ترشيح عربي مشترك قادته دولة قطر، بمشاركة عدد من الدول العربية، من بينها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات

العربية المتحدة، ودولة الكويت، ومملكة البحرين، وسلطنة عُُمان، والعراق، والأردن، وسوريا، وهو ما يؤكد أن البشت يُُعد تراثا عربيا مشتركا لا يقتصر على دولة بعينها. وأشاد ملف الترشيح بالبشت بوصفه أكثر من مجرد قطعة لباس، إذ يمثل عنص ار ثقافيا حيا مرتبطا بالهوية الاجتماعية ومناسبات المجتمع وقيمه، كما رك ّّز على المهارات والممارسات المتصلة بصناعته، والتي تنتقل عبرالأجيال، وعلى دوره في تعزيزالانتماء والاحترام المتبادل. وقد أسهمت مشاهد رمزية معاصرة في إبراز مكانة البشت عالميا ًً، من بينها قيام أميردولة قطرالشيخ تميم بن حمد آل ثاني بإلباس البشت لقائد منتخب الأرجنتين ليونيل ، وهو ما عكس مدى 2022 ميسي عند تتويجه بكأس العالم تقدير هذا الرمز في الحياة الخليجية، وأسهم في شهرته على المستوى العالمي.

ا � يمثّّل إدراج البشت في قائمة «اليونسكو» اعتراف

عالمياًً

زي عربي تقليدي رسمي للرجال، يتضمن البشت والثوب والخنجر

ا � الخليج العربي بالتطريز المعروف محلي

بأهميته الثقافية، ويوفّّر منصة لتوثيق مهاراته وحرفه التقليدية، وتعزيز الاهتمام به محليا وإقليمياًً، بما يسهم في الحفاظ عليه ونقله للأجيال القادمة في مواجهة تحديات العصر الحديث. ومع التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي في الاحتفالات ا � تشهدها دول الخليج، ظل البشت حاضر الرسمية والمناسبات الثقافية والرياضية، ليغدو رم از يتجلى في لحظات الاحتفاء الجماهيري بالهوية. وعليه، فإن البشت ليس مجرد قطعة قماش تُُرتدى فوق الثوب، بل س ّجّل حي من تاريخ المجتمع وثقافته وقيمه الاجتماعية، ظل شاهدا عبر القرون على مناسبات الفرح والحزن، ورم از للوقار والضيافة، وموروثا متكاملا ينتقل بين الأجيال. واليوم، ومع إدراجه في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، ينتقل البشت من الذاكرة المحلية إلى سجل الإنسانية، مؤكدا أن التراث الثقافي العربي جزء لا يتجزأ من الهوية الإنسانية المشتركة

التنقيبية في دولة الإمارات العربية المتحدة على رؤوس مغازل في موقع الدربحانية (الندود) في جلفار برأس الخيمة، ما يدل على ممارسة الغزل والنسيج في المنطقة منذ فترات مبكرة، غير أن أبرز ما يميّّزها هو التطريز على الحواف، حيث يبدع صانع البشوت بعد أخذ المقاسات الدقيقة، ثم التفصيل والخياطة. وتتعدد ألوان البشوت لتشمل الأسود والبني والأصفر (الذهبي) والرمادي والأبيض، وتُُطرََّز بخيوط حريرية متعددة الألوان تشك ّّل شرائط تحيط بمنطقة الرقبة والصدر وفتحات الأيدي. وتنقسم البشوت من حيث النسيج إلى نوعين رئيسين: البشت الرفيع أو الخفيف الرقيق، والبشت الغليظ أو السميك. ومن بينها ما عُُرف بـ«بشت الشارقة» نسبة إلى إمارة الشارقة، التي كانت مصدرهذه البشوت وبيعها في مواسم الحج، وي ُُطلق عليها «البشت العُُماني» أيضاًً. وقد اشتهرت هذه البشوت بجودتها العالية، إذ تُُصنع من الوبر المغزول يدويا باستخدام المغازل، ثم ت ُُنسج وت ُُخاط وت ُُطر ََّز بعناية، وتتمي ّّز غالبا بنسيجها الرفيع وخيوطها المتينة. وجاءت تسميات بعض البشوت نسبة إلى مواقع الخوار المصنوعة من الزري. كما شهدت المنطقة استيراد بعض أنواع البشوت غير المحلية. لقد مرت صناعة البشوت بمراحل عدة، تبدأ بغزل الصوف ولفّّه على هيئة كرات أو دوائر صغيرة أو كبيرة نسبياًً، ثم يبدأ النسيج على الس ََّدى. وإلى جانب البشوت، كانت ت ُُصنع بيوت الش ََّعروالزرابيل وغيرها من الحاجيات. ويُُطلق على الرجل الذي يعمل على آلة النسيج اسم «النس ّّاج»، بينما ت ُُسم ّّى آلة النسيج «المنجرة» أو «السد ّّة». وتتميّّز بشوت سكان دولة الإمارات العربية المتحدة ومنطقة

باسم «الخوار»،

وهو تطريز يُُضاف إلى البشت يدويا باستخدام الإبرة. ويُُعرف الشخص المتخصّّص في هذا العمل باسم «المجن»، وهو المسؤول عن تقصير البشوت وتطريزها بخيوط الزري فقط، مستخدما أشرطة خاصة من الزري. بطبيعة المكان والمناخ ا � وثيق ا � لقد ارتبط البشت ارتباط والطقس اليومي، إذ يُُلبس فوق الثوب بوصفه جزءا أصيلا من التراث والعادات العربية في المنطقة. ومع التحوّّلات الاجتماعية الحديثة، لم يعد البشت يُُرتدى في الأوقات جميعها، بل اقتصر استخدامه على المناسبات المفرحة مثل الأعياد وحفلات الزواج، سواء للمعرّّس (العريس) وأهله أو لأهل العروس، إضافة إلى المناسبات الرسمية واللقاءات السياسية لرجالات الدول في المنطقة. وفي الوقت الحاضر، يُُلاحظ تطوّّر ملحوظ في حياكة الثياب الرجالية، حيث تعدّّدت أشكالها وطرائق تصميمها، مع إضافة ملامح جمالية جديدة من خلال التطريز أو تنويع الأقمشة، فضلا عن بروز العلامات التجارية العالمية. وأصبح التفصيل الدقيق، وجودة الخياطة، ونوعية القماش عناصر أساسية تمنح الزي قيمة جمالية ورمزية لمرتديه. ومن العادات المرتبطة بالزي الرجالي التقليدي، أن يحمل الرجل عصا عند خروجه، ولا س ّيّما في المناطق الجبلية مثل رأس الخيمة ومناطق ساحل عُُمان، حيث يحمل بعض الرجال ما يُُعرف بـ«الجرز»، وهو عصا غليظة أو خشبة ينتهي أحد طرفيها بقطعة حديدية على هيئة رأس فأس صغيرة، ويشيع حملها خصوصا بين رجال قبيلة الشحوح.

باحثة إماراتية

المصادر والمراجع: . د. يوسف العدان، «أياد من ذهب: الحرف والصناعات التقليدية في دولة 1 .) 46 ، ص 2016 الإمارات»، (أبوظبي، نادي تراث الإمارات، ). مجلة 2024 . د. فهد حسين،«ثوب الرجل الخليجي والتحول الاجتماعي»، ( 2 ، معهد الشارقة للتراث. 41 - 38 ، ص 8 ، السنة 2024 )، نوفمبر 72 «مراود»، العدد ( . د. عبد العزيز عبد الرحمن المسل ّّم، «الأزياء والزينة في دولة الإمارات العربية 3 .) 36 ، ص 1 ، ط 2001 المتحدة»، (أبوظبي، نادي تراث الإمارات، . ناصر حسين العبّّودي، «الأزياء الشعبية الرجالية في دولة الإمارات وسلطنة 4 .) 14 - 106 ، ص 1 ، ط 1987 ع ُُمان»، (قطر، مركز التراث الشعبي، . «الإمارات تدرج أربعة عناصرجديدة في القائمة التمثيلية لليونسكو»، الأربعاء 5 ، وكالة أنباء الإمارات «وام». 2025 ديسمبر 17

79

78 عباءة الصحراء: إرث الخليج العربي إلى «اليونسكو»

2026 فبراير - مارس 313 / العدد

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online