سرد الذاكرة
مصنع إسمنت العين ورؤية زايد لبناء المستقبل
كان جبل حفيت هو الموقع المقترح للمصنع، وعندما زُُرتُُه برفقة معالي الدكتور مانع سعيد العتيبة، بدا لي بعيدا عن مدينة العين، لكن لم يكن هذا ما يراه الشيخ زايد - رحمه الله تعالى - أذكر تماما الحوار الذي دار بينهما: سأل القائد عن الدخان المتصاعد من المصنع، فرد الدكتور مانع بأن برج المدخنة سيرتفع ليبعد أثر الدخان عن السكان. لكن الشيخ زايد استفسر: «ولماذا لا نتخلص من هذا الدخان الضار؟ ألا توجد طريقة لإبادته؟»، فأكد الدكتور مانع إمكانية طلب ذلك من الشركة، فقال الشيخ زايد بحزم: «نعم، يجب بذل كل الجهد لحماية السكان». وأضاف: «لا تظنوا أن المصنع سيظل بعيدا عن المدينة، فمع الزحف العمراني سيصبح في قلب الأحياء السكنية، ولن يكون الدخان دون ضرر عليهم». وبالفعل، أمر الدكتور مانع الشركة السويسرية «هولدر بانك» بتنفيذ توجيهات الشيخ زايد، وتم القضاء على غاز الفحم من المدخنة. وبعد سنوات، حين زرت المصنع مرة أخرى، لاحظت تحقق توقعاته: المصنع الذي اعتقدنا أنه بعيد قد أحاطت به الأحياء السكنية، وأصبح جبل حفيت نفسه مزاار سياحيّّا يزخر بالمنشآت السكنية والسياحية، وشاهدا على رؤية قائد لا يسبقها إلا حسن التبصر والحرص على الإنسان أولا ًً.
خليل عيلبوني منذ تولي المغفور له - بإذن الله تعالى - الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّـب الله ثراه - مقاليد الحكم في ، كان واضحا أن إمارة أبوظبي لن تكتفي بدور 1966 أغسطس بائعة للنفط الخام من حقولها البرية والبحرية. وضع القائد ببصيرة خطة استراتيجية لبناء اقتصاد متين قائم على أعمدة عدة، لا يقتصر على النفط والغاز وحدهما، مع الحفاظ على سعر البرميل عند مستوى معقول. وعندما سلََّم دائرة البترول للشاب حديث التخرج من كلية الاقتصاد بجامعة بغداد، مانع سعيد العتيبة، أضفى الشيخ زايد بُُعدا صناعيا على مهمتها، فصاراسمها «دائرة البترول والصناعة»، لتكون الصناعة شريكا أساسيا في مسيرة النهضة الاقتصادية. على الرغم من أن برنامجي كان يعرف باسم «الذهب الأسود» ، فإن الصناعة سرعان ما احتلت 1971 منذ انطلاقته عام موقعا مهما ضمن أولويات المشروع. فقد فرضت النهضة وما 1969 العمرانية التي شهدتها إمارة أبوظبي منذ عام تلاها، على جهات التخطيط والتنفيذ، التفكير في إقامة مصانع تخدم هذا التوسع وتواكبه، وكان من أبرز احتياجاتها مادة الأسمنت. جبل حفيت وشغف البناء ، وقّّعت وزارة البترول والصناعة، 1971 أتذكر أنه في يونيو قبل قيام الاتحاد، اتفاقية مع شركة «هولدر بانك» السويسرية لإعداد دراسة اقتصادية وفنية لمصنع الأسمنت. وفي نوفمبر قدمت الشركة تقريرها، محددة موقع المصنع بالقرب من جبل حفيت في مدينة العين، نظ ار لتوافر المواد الأولية الأساسية كالجبس والحجرالجيري والطفلة. وأشارالتقريرإلى أن المصنع طن 600 المقترح سيكون متواضعاًً، بطاقة إنتاجية لا تتجاوز ألف طن سنوياًً. 200 يومياًً، أي ما يعادل
، وُُقّّع عقد إنشاء مصنع 1973 في السابع والعشرين من سبتمبر إسمنت العين مع الشركة اليابانية «إيشيكاواجيما هاريما» بتكلفة مبدئية بلغت تسعة عشر مليون دولار. وفي الثالث من ديسمبر من العام ذاته، أُُقيم الاحتفال بوضع حجر الأساس للمصنع، فحرص الشيخ زايد - رحمه الله تعالى - على الحضور شخصياًً، يرافقه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم - طيّّب الله ثراهما. وقد تشرفت بأن أكون عريف الحفل، وأن أفتتحه بكلمات من وحي شعر التفعيلة، تأملا في مستقبل يبنيه العمل والإنسان بعزيمة القائد وحرصه. حوارات زايد الخالدة وأثناء تصفحي لأرشيفي الخاص، فوجئت بوجود تسجيل كامل لذلك اليوم التاريخي. وقلت في تلك اللحظة: «يا جبل حفيت وصلتك الأيدي المؤمنة الخضراء.. وصلت لتحول كل صخورك، كل رواسب أيام التاريخ الأولى.. لتحولها إلى لب ِِن ََات بناء. يا جبل حفيت.. يا من أطللت على صبر الأجداد، انظر تشهد زحف الأبناء زحف من أجل الخير والعمران، انظر تشهد أعمدة دخان: ما هذي حرب أو طغيان، ما هذي إلا إعلان أن الإنسان في هذي الأرض الطيبة المعطاء يعلي البنيان، ويسير على درب الخير الأخضر بقيادة هذا الرائد، هذا الرجل الإنسان: زايد بن سلطان».وكان أعظم ما حمله التسجيل هو حواري مع المغفور له - بإذن الله تعالى - الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّب الله ثراه - حين سألته: «صاحب السمو، ماذا
تقول في هذه المناسبة؟»، فأجاب رحمه الله: «الكلمات التي استمعنا إليها من الوزير مانع غطت كثي ار مما كنت أريد قوله، ولكن أود أن أضيف أننا سنقيم - إن شاء الله - مصانع عديدة تحتاج إليها المنطقة والمواطن، سواء في دولة الإمارات أو في دول شقيقة وصديقة. إن تبنّّي هذه المشاريع يهدف إلى إدخال السعادة الحقيقية على المواطنين والشعوب الشقيقة، فالشقيق يسعد بالتعاون مع شقيقه في أي مشروع أو مصنع». وأضاف الشيخ زايد: «التعاون مطلوب، ليس بين الملوك والرؤساء فقط، بل بين الشعوب العربية الشقيقة في كافة أرجاء الوطن العربي، فالتعاون، خصوصا الاقتصادي، هو ما يحقق الترابط بين البشرية جمعاء». وتحدّّث الشيخ زايد - رحمه الله تعالى - طويلا ًً، مجيبا عن كل سؤال، تحدث جامعا بين رؤية عميقة للإنسان والأرض، وبين حرصه على بناء مجتمع مترابط وعلاقات أخوية متينة بين الشعوب. ما زلت بين الفينة والأخرى أنفض الغبار عن أشرطة الزمن، التي تحمل تسجيلات نادرة لكلمات وحوارات أجريتها مع القائد الذي لن أنساه طالما ظل في جسدي عرق ينبض أو دم يجري. لقد كان - رحمه الله تعالى - يعرف تماما ما يريد، وكانت أقواله صدى لما أراد أن يفعله، فكانت أفعاله أعظم من كلماته. وأجد نفسي من المحظوظين الذين احتفظوا ببعض من إرثه الخالد، وكانت نظرته الثاقبة التي سبقت المستقبل بكل ما فيه شاهدة على زمن تجسدت فيه العظمة الإنسانية في شخصه أكاديمي وشاعر
85
84
2026 فبراير - مارس 313 / العدد
مصنع إسمنت العين ورؤية زايد لبناء المستقبل
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online