torath 313 FEB - MAR 2026

الشتاء والرمز

العلاقة بين الشتاء والبرد نعتقد أن علاقة الشتاء بالبرد علاقة لا تقتصر على اقتران فلكي لكنها من وجهة نظر فلسفية علاقة "الجسد بالروح" في تجليها القاسي؛ فالشتاء هو الوعاء الزمني، والبرد هو الجوهر الكامن في أحشائه، إن البرد هو لغة الشتاء التي يقرأ بها العالم سيرة الانحسار، وهو السياج الذي يضربه الفضاء حول الموجودات ليدفعها نحو «المركز»؛ حيث لا ملجأ من قسوة الخارج إلا بالعودة إلى دفء الداخل، والبرد هو"صوت الصمت" الذي يجبر المادة على الانكماش لتتأمل كينونتها، وهو القوة التطهيرية التي تنزع عن الطبيعة زينة الربيع، في الشتاء، يصير البرد مرآة تعكس حاجة الإنسان للآخر، فكلما اشتد الصقيع في الآفاق، اشتعلت في القلوب رغبة الإيواء، ليتحول الزمهرير من أداة للوحشة إلى مبعث للألفة، ومن غياب للحرارة إلى حضور طاغ لمعنى الاحتماء بالحب والذاكرة. ي ԇ أسماء الشتاء عند الإماراتي في التراث اللغوي يقال "المََشتََى: المكان يُُقض ََى فيه الشتاء، اسم مكان من ش ََتا بالمكان يشتو به، أقام به زمن الشتاء، . وللشتاء في ) 5 ( والم بََرََع والم بََرََعة المكان يقام فيه زمن الربيع دولة الإمارات مسميات تراثية شعبية متداولة في المجتمع المحلي وفي الوسط الشعبي، وقد ارتبطت تلك المسميات بالمناخ وحركة النجوم وتجربة الناس مع البرد، ومن أشهرها: • الشتا: اللفظ الشعبي الشائع للدلالة على فصل الشتاء عموماًً. • الوسم: بداية موسم البرودة والأمطار، ويُُعد من أحب المواسم لأهل البر لما فيه من خصب ونبات. • المربعانية: أشد فترات الشتاء برداًً، وتمتد قرابة أربعين يوماًً. مارس)، تضم 22 يناير - 30 يوما ( 50 • خمسينية الشتاء: السعودات الأربعة وتنتهي ببشائر الربيع. • الشبط: مرحلة تلي المربعانية مباشرة، يكون فيها البرد قارس ًا خاصة في الليل وفج ارًً. • العقارب (الأولى والثانية والثالثة): مراحل لاحقة من الشتاء، يخف فيها البرد تدريجيا مع بقاء لسعته. • الحميمين: نهاية الشتاء وبداية الدفء، حيث تميل الأجواء إلى الاعتدال. هذه الأسماء في الحقيقة تمثل ارتباط الإنسان الإماراتي بالتوقيت الزمني الطبيعي، حيث كان يعتمد على الرصد الفلكي

طقس ورمز في التراث الإماراتي الشتاء:

نجلاء الزعابي تقول العرب: «نََزََل اليوم (ش ِِتاءٌٌ) كثير ٌٌ، يعنون المطر ََ، وهذا يوم (شات ٍٍ). وإنََّما الشتاء فصل من فصول »، ويقال في اللغة: «شتا شتا بـيََشتُُو، اشت ُُ، ) 1 (ِِ السنة كالربيع والصيف ِِ، وليس بواقع على المطر ِتاءُُ: بََرََد «شتا اليومُُ: اشتد بردُُه»، ومنه ش ََتََت الس ََّماءُُ: �ِّ ش ََت ْْواًً، فهو شات ٍٍ، والمفعول مشتو به، شتا الش أمْْطرت «جاء في الأيام الشاتية: الممطرة ليلة شاتية»، شتا الرََّجل بالمكان: أقام فيه ش ِِتاء «شتا بواد . ولشدة برد الشتاء سموه بهالِِب الش ََّعََرِِ، ومُُدََح ْْرِِج البََعََرِِ، ويقال: هُُلْْبََة الش ِِتاء وهُُلُُبََّتُُه بمعنًًى ) 2 ( دافئ» . ) 3 ( واحد في دولة الإمارات العربية المتحدة يأتي الشتاء بهدوء، ويتسلل خفيف الخطى، قليل الضجيج، نحو الشواطئ والواحات والصحاري الجافة، فيلقي عليها من صمته البارد، وهمساته الحانية، يقول علماء التاريخ قديما ًً: «الزمان الرابع: الشتاء، وهو بارد رطب سلطانه البلغم، مدته تسعة وثمانون يوما وأربع عشرة ساعة من تسع تبقى من كانون الأول إلى واحد وعشرين يوما تخلو من آذار، وذلك من دخول . في بيئة الإمارات، حيث اعتاد ) 4 ( الشمس أول دقيقة من الجدي إلى نزولها أول دقيقة من الحمل» الإنسان على قسوة الحر وامتداد القيظ. كان للشتاء منزلة خاصة، بوصفه انقلابا مناخيا جميلا ًً، فهو فصل التوازن، وفسحة التأمل بعد عناء الصيف والقيظ هو زمن العودة والاعتدال في الجسد، والطمأنينة في النفس، وتجد ّّد صلة بالأرض والسماء معاًً.

البصري والخبرة المتوارثة في تقسيم الفصول ومعرفة أحوالها، فأطلق على كل فترة زمنية ما يناسب طبيعتها.

أسماء البرد في اللغة والتراث تعددت أسماء البرد عند العرب قديماًً، وهي تسميات توحي : ) 6 ( بدقة الملاحظة وقوة الربط بين الحس والمعنى، ومنها • الق ُُر ُُّ: وهوأبرد ما يكون، وأصعب ما يواجه الإنسان من زمهرير. • الخ ََص ََر ُُ: وهو البرد الذي يؤلم الأطراف حتى تكاد تتيبس. ِرُُّ: البرد الذي يصاحبه الريح الشديدة تصفق الوجوه �ِّ • الص وتذبل الزرع. • الزمهرير: وهو البرد القارس الذي يصل إلى النخاع، وقد ورد في الوصف القرآني كأحد ألوان العذاب التي يُُعاذ منها. أما عند أهل الإمارات، فللبرد نكهة خاصة في التسمية، ترتبط بالريح والمطر، فيتحدثون عن "النفاف" (أول المطر الخفيف) ٍ يشبه �ٍّ وعن "البرد الصقيع" الذي يكسو رمال الصحراء بطل الفضة في الصباحات الباكرة، وقد ارتبط الشتاء قديما بحركة النجوم (المنازل والفصول)، وكان «الوسمي» هو المقدمة التي تبشربالخير، يليه الشتاء الفعلي، وفي الإمارات، تم ضبط إيقاع الشتاء بدقة عبرحساب «الدرور»، وهونظام فلكي قديم يقسم السنة إلى مئات، حيث يراقب أهل البحر والبر النجوم ليعرفوا متى يشتد البرد ومتى يلين.

99 2026 فبراير 313 / العدد

98 الشتاء: طقس ورمز في التراث الإماراتي

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online