العدد 29 – فبراير/شباط 2026

105 |

مقدمة تُُعد ســنغافورة نموذج ًًا مميزًًا في العلاقات الدولية؛ إذ تُُظهر تجربتها أن نفوذ الدولة لا يرتبط دائمًًا بعناصر القوة المادية التقليدية التي تشــدِِّد عليها المدرســة الواقعية، مثل عدد السكان والمساحة والموارد الطبيعية. فعلى الرغم من صغر مساحتها التي كيلومترًًا مربعًًا وعدد ســكانها البالغ نحو ســتة ملايين نسمة، وبناتج 719 لا تتجاوز مليار دولار، اســتطاعت هذه الدولة، منذ انفصالها عن 547 محلــي إجمالي يقدر بـ ، أن تتحول من كيان محدود القدرات إلى مركز مالي ولوجســتي 1965 ماليزيا، عام عالمي، وفاعل موثوق داخل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان). تقوم على دمج مقصود بين أدوات القوة الصلبة، " القوة الذكية " يرى جوزيف ناي أن كالقدرات العسكرية والمادية، وأدوات القوة الناعمة، مثل الجاذبية الثقافية والمصداقية السياسية، على نحو يتطلب فهمًًا دقيقًًا للسياق واتجاهاته نحو البيئة المستهدفة، وقدرة .) 1 على تكييف الموارد مع الأهداف الإستراتيجية( تنطلق هذه الدراسة من منظور تحليل الشبكات الذي يفترض أن القوة لا تُُقاس بحجم الموارد فحســب، وإنما بموقع الدولة داخل الشبكات الإقليمية والدولية. فكلما زاد تنوع الروابط واتســعت قنوات التواصل، ازدادت قدرة الدولة على الوصول السريع إلى الشــركاء والمعلومات وأداء دور الوســيط بين أطراف لا تتواصل عادة، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على التحكم في تدفق السلع والمعرفة ويُُنتج نفوذًًا يتجاوز حجمها الفعلي. تشير أدبيات العلاقات الدولية إلى أن تموضع الدولة داخل الشبكات قد يعزز نفوذها ا واضح ًًا على ذلك؛ إذ ). وتُُعد ســنغافورة مثالًا 2 حتــى دون زيــادة مواردها المادية( استثمرت في بناء رأس مال بشري عبر نظام تعليمي متطور مرتبط باحتياجات التنمية، وعززت شــبكة علاقاتها من خلال اتفاقيات تقليدية ورقمية وبنية تحتية متقدمة في الموانئ والمطارات؛ ما مك ََّنها من الوصول التفضيلي إلى الأســواق الكبرى وزيادة قربها من مراكز القرار الاقتصادي. وقد أســهمت اســتثماراتها المســتمرة في البنية ا محوريًًّا حول التحتية والحوكمة في ترســيخ تنافســيتها العالمية، وهو ما يثير تساؤلًا الكيفية التي اســتطاعت بها سنغافورة توظيف محدودية مواردها لتحقق نفوذًًا متناميًًا ا في بيئة دولية تتسم بعدم الاستقرار والتنافس المتصاعد. وموقعًًا فاعلًا

Made with FlippingBook Online newsletter