129 |
مقدمة تنبع أهمية دراسة المنظورات غير الغربية المؤط ِِّرة لقواعد القانون الدولي وخلفياتها الكلاســيكية والمعاصرة من طبيعة التحولات التي يشــهدها المسرح الدولي، والتي أعادت إلى الواجهة أســئلة الشــرعية الدولية، ومصادرها، وحــدود فاعلية القواعد والمؤسســات القانونية الدولية والإقليمية. فقد أفرزت هذه التحولات نقاشًًا متجددًًا حول أزمات المنظمات الدولية، ووحدة النظام القانوني الدولي، وإمكانات تشــك ُُّل ملامح نظام عالمي آخذ في التبلور، بما يحمله ذلك من رهانات نظرية وتطبيقية. في هذا الســياق، وإذا كان يُُتداول على نطاق واســع أن القانون الدولي في مفهومه المعاصر ارتبط تاريخيًًّا بصيرورة تشــك ُُّل الحضارة الأوروبية المســيحية منذ أواخر القرن الخامس عشــر، فإن هذا الارتباط لا ينفي امتداد جذوره إلى مراحل أســبق من التاريخ الإنســاني؛ حيث واكبت إرهاصات تشك ُُّل الجماعات السياسية الإقليمية المنظمة، سواء في تدبير علاقات السلم أو تنظيم أنماط الصراع والحرب. فــي هذا الإطار، تتأطر الدراســة انطلاقًًا مــن إدراك الحاجة إلى إعادة إحياء النقاش حول قواعد القانون الدولي ومؤسســاته، والبحث في سبل تدعيمها بخلفيات فكرية وفلســفية أكثر تنوعًًا، تســتلهم إسهامات جغرافيات وهويات ومجالات حضارية غير غربية، ولا تظل حبيســة المنظور الغربي على مســتوى النص والممارسة والتكييف. وينصرف الاهتمام، على وجه الخصوص، إلى تحليل أثر المنظورات غير الغربية في تطوير أسس القانون الدولي وقواعده، في ظل هيمنة مقاربات نظرية وعملية سادت ا في الأدبيات والممارسات الغربية. طويل ًا يُُبــرز هذا المســار التحليلي أن اســتمرار بعض الرؤى الغربيــة التقليدية في تنظيم القانون الدولي، رغم الخطاب المعاصر الذي يحتفي بالحرية والانفتاح والتعدد، ما زال ينعكس على الإطار القانوني والمؤسســاتي الذي تكرََّس عقب الحرب العالمية الثانية، والذي أظهر محدودية في استيعاب التعدد الحضاري، وبروز أنماط من عدم التكافؤ في القوة القانونية والتنظيرية والتطبيقية. تنطلق الدراسة من إشكالية مركزية تتمحور حول التوتر القائم بين الخطاب المعياري للقانون الدولي وممارساته العملية، في ظل استمرار أنماط من المركزية والهيمنة في تنظيمه وتطبيقه. ويبرز هذا التوتر على نحو خاص عند مقاربة موقع الإسهامات غير
Made with FlippingBook Online newsletter