131 |
ا : الخلفيات الفلسفية والأيديولوجية لتطور قواعد القانون الدولي أول ًا تتجلى أهمية دراســة الخلفيات الفلســفية والسياسية والأيديولوجية المؤطرة لقواعد القانون الدولي عند مقاربة التحولات التي يشــهدها النظام الدولي المعاصر، والتي أعــادت طرح إشــكالات الشــرعية الدوليــة، ومصادرها، وحدود فاعليــة القواعد والمؤسســات القانونية الناظمة للعلاقات الدولية. فقد أســهمت هذه التحولات في فتح نقاش واسع حول أزمات المنظمات الدولية والإقليمية، ووحدة النظام القانوني الدولي، في ظل ممارسات كشفت عن تباينات ملحوظة في الالتزام بمبادئه وقواعده. وفي هذا السياق، يبرز الاهتمام بتحليل السياقات الفكرية التي أسهمت في تشك ُُّل هذه القواعد، وما إذا كانت التحولات الجارية تعبِِّر عن ملامح مراجعة للمفاهيم والمبادئ الغربية السائدة في القانون الدولي، أو عن إعادة إنتاجها بصيغ جديدة داخل بنية نظام دولي يشهد تحولات متسارعة. يرتبط القانون الدولي في مفهومه المعاصر، في جانب معتبر من أدبياته، بسياق تشكل الحضارة الأوروبية المســيحية منذ أواخر القرن الخامس عشر؛ حيث تبلورت خلال هذه المرحلة ملامح تنظيم قانوني للعلاقات بين الكيانات السياســية الناشئة. غير أن هذا الارتباط التاريخي لا يحجب امتداد جذور القانون الدولي إلى مراحل أسبق من التاريخ البشري، رافقت بدايات تشك ُُّل الجماعات السياسية الإقليمية المنظمة، سواء في سياق تدبير علاقات السلم أو تنظيم أنماط الصراع والحرب. من هذا المنطلق، يصبح استحضار التطورات التاريخية والخلفيات الفلسفية والأيديولوجية التي واكبت تشك ُُّل قواعد القانون الدولي شرطًًا تحليليًًّا لفهم وضعه المعاصر، وحدود تحولاته، وإشكالاته الراهنة. لفهم تطورات القانون الدولي وقواعده، تبرز الحاجة المنهجية إلى العودة لمسارات تشكله ونشأته، واستحضار الخلفيات الفكرية والتاريخية التي واكبت تطوره، خاصة في ســياق الحضارة الأوروبية المســيحية خلال القرن السادس عشر الميلادي، إلى ). وقد ارتبط هذا التصور، 1 حــد أن بعــض الفقه عد ََّه قانونًًا دوليًًّا أوروبيًًّا مســيحيًًّا( في ممارساته التاريخية، بتبرير أنماط من التوسع والاستعمار والحرب، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول غير الأوروبية، تحت غطاءات فلسفية وأيديولوجية متعددة، أسهمت في ترسيخ سردية قانونية متمركزة حول التجربة الغربية. في المقابل، يكشــف هذا المســار عن تهميش نســبي للمنظورات غير الغربية في السردية السائدة لتاريخ القانون الدولي، رغم ما قدمته من إسهامات في إطار التجربة
Made with FlippingBook Online newsletter