153 |
تجــاوز التصنيفات النمطية واســتيعاب التعدد البنيوي للمجتمــع الدولي، بما يتيح ترسيخ العدالة بين الدول والشعوب والأفراد، وتقليص فجوات التفاوت الاقتصادي والهشاشــة الاجتماعية، وتعزيز ســلطة القانون انطلاقًًا من وحدة المصير الإنســاني وتكافؤ الحق في المشاركة في إدارة عالم متعدد الأقطاب والثقافات والهويات. يعكــس الواقع الدولي الراهن تعدد مســارات الانتقــال والتحول في مرحلة ما بعد الاستعمار؛ حيث لم تعد دول الأطراف تكتفي بالاستقلال السياسي بل باتت تمتلك، بدرجــات متفاوتة، عناصر القوة والثروة التي تمك ِِّنها من التعبير عن ثقافاتها والدفاع عن مصالحها داخل النســق الدولي. ويشــير عدد من الدراسات الاستشرافية إلى أن هذا التحول لا يعني بالضرورة تجاوز النظام الوســتفالي؛ إذ لا تزال أنماط الســيادة والدولة القومية في مراكز القوة قادرة على الاســتمرار، لكنه يفتح، في المقابل، أفقًًا لتحول ما بعد غربي لا يُُقصي الغرب من المشهد الدولي وإنما يعيد تموضعه بوصفه مركزًًا من بين مراكز متعددة للسلطة والثروة والنفوذ الثقافي في عالم آخذ في التعدد القطبي. تدل المعطيات البحثية المتراكمة على أن التاريخ الغربي والنظرية السياســية الغربية لا يعكسان، على نحو كاف، تجارب بقية مناطق العالم ولاسيما في أميركا اللاتينية وإفريقيا وآسيا والعالم العربي. وتكشف هذه الأبحاث عن فجوة متنامية بين المفاهيم السائدة في حقل القانون الدولي والعلاقات الدولية، كما تطورت في السياق الغربي، والوقائــع التي يدركها الباحثون في هذه الســياقات المختلفة. ويبرز في هذا الإطار أن المراجعات الفكرية النقدية التي ســعت إلى تجاوز المقاربات الكلاســيكية في فهم القانون الدولي لم تقتصر على الإنتاج المعرفي الغربي، بل أسهم فيها مفكرون وباحثون من خارج هذا النســق، كما هي الحال في نظرية ما بعد الاســتعمار ونظرية التحرر من التبعية للاستعمار، التي تبلورت بفضل إسهامات عدد من المفكرين، من .) 94 بينهم: إدوارد سعيد وهومي بابا وأنيبال كيجانو وغيرهم( يفــرض هذا الواقــع إعادة التفكير في طبيعــة التنظير في القانــون الدولي ونطاقه، ولاســيما فــي ظل تنامي الخطابات النقدية التي تــرى أن هذا الحقل ظل، تاريخيًًّا، أسير مركزية أوروبية ضيقة الأفق. ويقتضي ذلك الانفتاح على قراءات جديدة تضع قضايا القانون الدولي ضمن أفق أوسع، يسمح بتتبع تطوره واتجاهاته خارج السياق الغربي المركزي، ويدعو الباحثين من خارج هذا السياق إلى مساءلة مضامين نظرياته
Made with FlippingBook Online newsletter