العدد 29 – فبراير/شباط 2026

203 |

. ويعني ذلك أن الشرقيين " كائنًًا سياســيًًّا " الاعتبار تعريف أرســطو للإنسان بوصفه يُُصوََّرون عاجزين عن إدراك الحسابات السياسية بل وتُُقدََّم مظالمهم بوصفها مجرد ا عوض الإقرار بأن تعبيرات ثقافية، هََوََســية ولا عقلانية، تستعصي على الفهم. فمثلًا جماعات مثل طالبان وحزب الله ومختلف الحركات المسلحة الأخرى، قد تمتلك أهدافًًا سياســية منطقية متماسكة، وحسابات إستراتيجية مدروسة، وتفاعلات عقلانية مع ما تراه مظالم واقعة عليها وعلى الشــرائح التي تد ََّعي الحديث باســمها، يُُصوِِّر الاستشراق العسكري هذه الجماعات بوصفها أسيرة لإرثها الثقافي والديني أو حتى الميتافيزيقي، وعاجزة تمامًًا عن تجاوز محدداته أو الفعل خارج نطاقه. في حين أن هذه التصورات نفسها هي التي شجعت القوى الغربية على انتهاج العنف وسيلة وحيدة للتعاطــي مع هذه الجماعات بل واتخــاذ قرار الحرب ضدها أو ضد بلدان بأكملها طالمــا يُُنظر إليها على أنها لا تفهم ســوى لغــة العنف ولا تقوى على مقاومة القوة الساحقة للقوات الغربية. فلو عرف الأميركيون أن العراقيين لن يستقبلوهم كمحررين ) ربما ما غزوا العراق. ولو أدركت قوات التحالف الغربي 35 ( " بالحلويات والزهور " أن طالبــان تملــك النََّفََس الطويل وتتقن المنــاورة وحرب العصابات لما مكثت في أفغانستان لأكثر من عقدين، لتنسحب منها على نحو مرتبك ومهين. وإذا كان من المتوقع للوهلة الأولى أن يحظى مفهوم الاستشراق العسكري باهتمام الباحثين المحســوبين على التيار النقدي وما بعد الكولونيالي، فإنه من غير البديهي أن يتبنى باحثون آخرون من طينة باتريك بورتر، وهو أســتاذ دراســات الأمن الدولي والإســتراتيجية، الأطروحة النقدية بدافع نفعي انتهازي. وأن يفعل ذلك لاستخلاص العبــر مــن أخطاء الحروب الماضيــة وتمثلاتها المظللة بهــدف تحقيق فاعلية أكبر للجيــوش الغربية فــي حملاتها اللاحقة على الشــرق. ومن هذا المنطلق، يُُســلِِّط باتريــك بورتر الضوء على جانب آخر من مفهوم الاستشــراق العســكري؛ إذ يرى أن هــذا المفهــوم لا يقتصر فقط على التراتبية الثقافية في زمن الحرب؛ حيث تُُمنح خصائص العالم الغربي الحديث والمتقدم القيمة العليا، ويُُعاد تعريفها وتأكيدها من )، بل 36 وغير الغربي( " البدائي " خلال نقيضاتهــا المفترضة من بين خصائص العالم يتضم ََّن أيض ًًا حالات تصبح فيها التقاليد الحربية الشرقية مصدرًًا للقلق، أو التوجس، ). حيث يذكر كيف حظيت شجاعة وبأس 37 أو حتى جلد الذات بالنســبة للغربيين( المعاصريــن، مثل حركة طالبان وحزب الله، بـــالاعتراف " الشــرقيين " المحاربين

Made with FlippingBook Online newsletter