العدد 29 – فبراير/شباط 2026

| 214

الخطاب، أن الحرب على الشــرق ليســت مجرد مواجهة مادية بالعدد والعتاد، بل أيض ًًا ساحة نزال رمزية توضع فيها التمثلات الاستشراقية على المحك وتُُخض ََع فيها مفاهيم الهوية والتفوق والشــرعية باســتمرار للمساومة والجدال. خاصة وأن الوقائع التاريخية وأدبيات التاريخ العســكري الغربي -التي أفرد لها البحث مســاحة لا بأس بها- قد أثبتت أن الخطاب الاستشراقي قد عاد إلى الواجهة بشكل أكثر عنفوانية منذ غداة اندحار المعســكر الشــيوعي، وازداد حدة بعد هجمات الحادي " نهاية التاريخ " عشر سبتمبر/أيلول، وفي أوج الترويج غربيًًّا لأطروحة صدام الحضارات. وقد ظهر ذلــك جليًًّا عبر بــروز تمثلات ثنائية حادََّة ترافقت مع الحروب والأزمات التي تلت هذه الأحداث، لاســيما أن معظم هذه الصراعات قد دارت رحاها، ولا تزال تدور ، كما هي الحال بالنسبة " الشــرق " بشــكل أو بآخر، في مناطق تُُعد تقليديًّّا جزءًًا من لمنطقة الشرق الأوسط. وقد أظهرت الدراسة أيض ًًا أن التورط العسكري الغربي في مواجهة خصوم شرقيين وعمليات مكافحة التمرد- غالبًًا ما يكون مشــبعًًا " الحروب الصغيرة " -وخاصة في بافتراضات ثقافية راســخة تصوِِّر العدو على أنه دوني، لا عقلاني، ومتخلف ثقافيًّّا. وهــذه الافتراضات، التــي تنبني على تحيزات إبســتمولوجية وأنطولوجية نابعة من صميم الاستشــراق كخطاب مهيمن، يشمل تأثيرها صياغة العقيدة العسكرية والقرار الإستراتيجي ويمتد إلى تشكيل تصورات الرأي العام والتبريرات السياسية التي تسوق له بغرض قبوله لاستخدام القوة وبذل الأموال والدماء في هذه الحروب. وعندما لا تتلاءم نتائج المعارك مع هذه التمثلات -بســبب إبداء مقاومة غير متوقعة أو إخفاق إســتراتيجي أو عجز عن تحقيق نصر حاســم- تنجم عن ذلك آثار عميقة على تمثُُّل الذات الغربية، قد تصل إلى حد حدوث أزمات هوية، أو إعادة ترتيب الخطاب، أو حتى حصول تحولات سياسية كبرى. وفي نهاية المطاف، قد يدفع مفهوم الاستشراق العسكري، إذا ما تمت بلورته بصورة أوســع، إلى إعادة النظر في الأســس الأنطولوجية للحرب، والمبادئ الإستراتيجية، وعمليــات تشــك ُُّل الهوية في عالم ما بعد الاســتعمار. كما قد يســتحث الباحثين والممارســين معًًا على مساءلة أكبر للأبعاد الرمزية والأيديولوجية الكامنة وراء القوة العســكرية، وللإقرار بمدى تغلغل الخطابات الموروثة عن الحقبة الكولونيالية التي لا تزال تشك ِِّل وتقيِِّد، بل وتوجه، في كثير من الأحيان، مسارات الحروب ونتائجها. ومع تواصل اندلاع النزاعات واحتمال نشوب صراعات أوسع بين الشرق والغرب،

Made with FlippingBook Online newsletter