159 |
لتعزيز التماســك والصمود والانسجام السياســي والمعنوي والاجتماعي، لأن طول أمد الصراع قد يستنزف المجتمعات غير المتماسكة قبل أن ينهك الخصم. ومن ثم يقتضي الأمر التحوط ضد الاســتنزاف الداخلي عبر رصد المخاطر والتحديات التي قد تقضم القوة المتراكمة، بما يمنع الخصم من اســتغلال عامل الزمن لشــق الصف أو كسر الإرادة. ويعد توقيت الحســم من أدق هذه المبادئ؛ إذ يُُســعى إلى استثمار اللحظة المواتية عندما تميل كفة الميزان أو تقترب من التساوي، بما يحقق أقصى عائد بأدنى كلفة. ويرتبــط بذلك مبدأ تجنب الاســتسلام الضمني، عبــر تحديد حد فاصل واضح بين الصبر الإســتراتيجي البنََّاء والصبر الســلبي الذي يؤدي تدريجيًّّا إلى فقدان المبادرة والاستسلام الضمني. كما يشمل ذلك مبدأ التضحية بالمكاسب الآنية من أجل تحقيق فجوة نجاح أكبر في المستقبل؛ حيث يقبل الطرف الصابر أرباح ًًا مؤجلة مقابل بناء ميزة إستراتيجية يصعب على الخصوم اللحاق بها لاحقًًا. فقد صبر المسلمون ثلاث سنوات بعد غزوة الخندق للهجــرة. وفي هذه المدة وُُقِِّع صلح الحديبية 8 للهجــرة حتى فتح مكة عام 5 عــام للهجرة حين منع أهل قريش المسلمين من العمرة بعد وصولهم إلى مشارف 6 عام مكة. وقد دار جدال كبير بين الرســول صلََّى الله عليه وســلََّم، بوصفه القيادة، وبين ا غير مقبول وأصرُُّوا على المواجهة. غير بعض المسلمين الذين رأوا في الصلح تنازلًا أن قبول الصلح والتنازل عن العمرة وتأجيلها للعام التالي مثََّل تضحية بمكسب آني، أثمرت بعد عامين فقط فتح مكة من دون قتال وسقوط حكم قريش. ويتجلــى فــي النهاية فن إدارة الزمن والتكتيك عبر تكامــل هذه المبادئ جميعًًا في سلوك منهجي يجعل الزمن ذاته أداة للمناورة والإضعاف والتعزيز، بحيث يغدو أحد أكثر الأســلحة فاعلية في يد من يحســن استخدامه. ويظل العامل الحاسم في ذلك هو القيادة الراشــدة القادرة على تحليل الأحداث واســتنباط دلالاتها وإدارة التوازن وََإِِذََا ج ََاءََهُُم أََمْْر مِِن " بين الانتظار والحســم بما يمنع التهور أو التفريط في الفرص: الأََمْْن أََو الْْخ ََوْْف أََذََاعُُوا بِِه وََلََو رََدُُّوه إِِلََى الرََّس ُُول وََإِِلََى أُُولِِي الأََمْْر مِِنْْهُُم لََعََلِِمََه الََّذِِين ). فالتوازن الدقيق بين الانتظار السلبي واتخاذ 83 (سورة النساء: آية "ْْ يََسْْتََنْْبِِطُُونََه مِِنْْهُُم القرار الحاسم مسألة بالغة الحساسية، تتحكم فيها خبرة القيادة ورشدها وحنكتها.
Made with FlippingBook Online newsletter