العدد 31

13 |

مقدمة ارتبطت الجزر، عبر التاريخ، بالمجهول والأســطورة والمنفى والعزلة. ففي المخيال الإنساني كانت موطنًًا للآلهة، أو الشياطين، أو المنفيين، أو الكائنات الخارقة، غير أن الدولة الحديثة أعادت توظيف هذا الإرث الجغرافي والرمزي في سياقات جديدة؛ فلم تعد الجزيرة فضاء للأسطورة فحسب، بل غدت، في حالات عديدة، فضاء للاستثناء، تُُعاد فيه صياغة العلاقة بين الســلطة والقانون والرقابة. ومن هنا تنطلق هذه الدراسة ، بوصفه إطارًًا تفسيريًّّا لفهم الكيفية التي تتحول " الجغرافيا السياسية للشر " من مفهوم بهــا بعض الفضاءات الجغرافية إلى أدوات لإنتاج الاســتثناء، وإدارة النفوذ، وتهيئة فضاءات للممارسات التي يصعب أن تجد موطئًًا لها في المجال العام. وترتكز هذه الدراسة على تحليل الحالة الغربية الحديثة، وتحاكمها إلى الفكر الغربي نفسه، دون أن تمتد إلى المراحل التاريخية السابقة، ولاسيما ما قبل القرن العشرين، أو إلى مواقف أخلاقية أو فلسفية تنتمي إلى مرجعيات حضارية أخرى. فهي تتناول منتج ًًا نشأ في السياق الغربي الحديث، وتسعى إلى مساءلته ونقده انطلاقًًا من معاييره الفكرية والأخلاقية ذاتها، دون الاستناد إلى منظومات قيمية خارج هذا الإطار. ولا يعني ذلك أن الجغرافيا تنتج الشر بذاتها، أو أن بعض الأمكنة شريرة بطبيعتها، وإنما المقصود أن بعض الفضاءات الجغرافية اقترنت، عبر التاريخ، بوظائف سياسية وقانونيــة واقتصاديــة، جعلتها أكثــر قابلية لاحتضان أنماط معينة من الممارســات. فالجغرافيا، بهذا المعنى، ليست مجرد مسرح محايد للأحداث، بل قد تصبح عنصرًًا ا في تشكيلها، وإعادة توزيع العلاقة بين القوة والقانون والمجتمع. فاعل ًا تتراجع الرقابة، ويضعف إنفاذ القانون، وتنحســر الرؤية الكاشفة، " جزر الشــر " وفي فتغدو فضاءات للاستثناء، تتجسد فيها خصائص العزلة والتحكم والسرية. وقد كان ذلك حاضرًًا في المخيال القديم، ثم تجســد بصور جديدة في العصر الحديث حين احتاجت الدول وشــبكات المصالح إلى مجالات تؤدي وظائف استثنائية؛ تبدو، في ظاهرها، خاضعة للقانون، بينما أُُريد لها، في واقع الأمر، أن تتيح قدرًًا من الانفلات منه. وما غوانتانامو وجزر التجارب النووية وجزر الاقتصاد السري إلا نماذج مختلفة لوظيفة واحدة، تتغير أدواتها وتبقى بنيتها.

Made with FlippingBook Online newsletter