| 52
()، أثار باكلي عاصفة من الانتقادات حين هاجم التغطية الإعلامية للأحداث ودافع 14 عن تصرفات شرطة ألاباما، قبل أن يعترف لاحقًًا بأن فهمه لبعض الوقائع استند إلى .) 15 تفسير مغلوط للتعليق التليفزيوني الذي تابع من خلاله الأحداث( ولم تتوقف هذه النزعة الجدالية عند حدود الحملات الانتخابية. فمع انطلاق برنامج ، أصبح باكلي أحد أبرز الوجوه الإعلامية 1966 )، عام Firing Line ( " فايرينغ لاين " في الولايات المتحدة. وقد أتاح له البرنامج أن يخوض مناظرات منتظمة مع سياسيين ومفكرين وناشــطين من اتجاهات متباينة، وأن يحافظ على حضور دائم في المجال العام طوال عقود. وهكذا تكشف تجربة باكلي عن مفارقة مركزية في الاندماجية الكلاسيكية. فمن جهة، سعت الحركة المحافظة إلى بناء شرعيتها من خلال الانضباط الفكري ورسم حدود واضحة تفصل بينها وبين الجماعات والتيارات التي عُُد ََّت متطرفة أو غير مســؤولة، ). ومن جهة أخرى، اعتمدت 16 كما ظهر في موقف باكلي من جمعية جون بيرش( على خطاب تعبوي وصراعي جعل تحديد الخصوم وتوحيد الصفوف في مواجهتهم جزءًًا أساسيًًا من هويتها السياسية. وبذلــك نخلــص إلى أن الانتقال من الاندماجية الكلاســيكية إلى الترامبية لا يمكن تفسيره بمنطق الاستمرارية الخالصة أو القطيعة المطلقة، بل من خلال علاقة جدلية تجمع بينهما معًًا. فقد أظهر التحليل أن التناقضات الداخلية للاندماجية الكلاسيكية، وفــي مقدمتهــا التوتر بين الانضباط الفكري والخطــاب المناهض للخصوم، هيأت الأرضيــة لظهــور نموذج أكثر راديكالية في المســتقبل. غيــر أن الترامبية لم تكتف بتفعيــل هــذه التناقضات، بــل تجاوزتها نحو قطيعة نوعية تمثلــت في التراجع عن سياســة الاحترام التي شــك ََّلت أحد المرتكزات الأساسية للمشــروع الباكلي، وفي إعادة رســم حدود الشــرعية داخل الحركة المحافظة على نحو مغاير لما سعى إليه ا عن الميراث الاندماجي، كما باكلي وجيله. ومن ثم، لا تبدو الترامبية انقطاعًًا كاملًا لا تمثل امتدادًًا مباشرًًا له؛ بل يمكن فهمها بوصفها حصيلة تفاعل معقد بين عناصر الاستمرار وعناصر القطيعة في آن واحد. وإذا كان هذا المحور قد تناول الجذور الفكرية والشخصية لهذه التحولات، فإن فهم انتقال المحافظة الأميركية من سياسة الاحترام إلى منطق الولاء يقتضي الانتقال إلى
Made with FlippingBook Online newsletter