torath 311 October, Nov 2025

سوق الكتب

كان معرضا للضياع، وما تمتّّع به هؤلاء الرواة من ذاكرة متقدة ساعدتهم على حفظ نصوص كثيرة بفضل عشقهم للموّّال وإتقانهم لفن روايته، ويعود الفضل في ذلك إلى ولع هؤلاء الرواة بفنون الشعر وتمتعهم بقدرة خاصة على الحفظ، وامتلاكهم ذاكرة قوية استطاعت أن تحفظ ما استمعوا له من مواويل. ونتعرّّف من الكتاب على أن الموّّال أحد الفنون الأدبية الشعبية البالغة التطور قياسا بالفنون الأدبية الشعبية الأخرى، وأن للموّّال قاموسا

القول، الكثيفة المعاني التي تفرّّد بها الموّّال، وقد وصلتهم تلك المعاني في صورة سهلة الترديد والحفظ من خلال نشاطهم اليومي على متن سفن الغوص على اللؤلؤ. وبحسب كتاب «مختارات الزهيريات من قطر والخليج العربي» فإن فن الموّّال يُُعتبر في كثير من جوانبه أحد الأدوات المهمة التي استخدمها «النّّهام» الذي يقوم بأداء فن «النّّهمة» على ظهور السفن من أجل تحفيز البحارة على إنجاز الأعمال الموكلة إليهم.

لغويا ولفظيا خاصا يستقي منه شاعر الموّّال مفرداته بل وجمله، ولا يستطيع كل شاعر أن ينهل من ذلك القاموس البلاغي الخاص إلا من كانت له شفافية الشاعرالملهم ومقدرة اللغوي الشعبي المتمرس الذي ينحت كلمات أبياته، كما ينحت الفنان قطعته الفنية بيد تدربت على الطرق والصقل والابتكار. وأن شاعر الموّّال الحقيقي، هو ذلك المبدع الذي يمتلك حصيلة ثقافية وأدبية بلاغية تعينه على تجاوزالعقبات الفنية في الموّّال. ويُُبيّّن لنا الكتاب، أن خاصية الموّّال كشكل أدبي وتركيبته البلاغية كشكل فني، ورصده الدقيق للمشاعر الذاتية المعبرة في الوقت نفسه عن الحس الجمعي، هي في الحقيقة قضايا إبداعية لا تستقرفي خلد أي شاعركان ما لم تتوافر لديه ملكات المبدع الواجب توافرها في شاعر المو ّّال، وهي الملكات التي سبق وأشرنا إلى بعضها. ويُُعتبر الشاعر الشعبي، وخاصة ذلك الذي نال حظا من التعليم، أحد القنوات أو المصادر الأصيلة للثقافة الجمعية، أو الفئة التي ينتمي إليها من حيث مقدرته على نقل المعلومات والأفكارمن خلال اطلاعه وتثقيفه لنفسه، وذلك يظهربوضوح في المو ّّال حيث نرى الكثير من العناصر اللغوية والمعلومات الدينية والثقافية التي أصبحت جزءا من حصيلة الشاعر الثقافية. إذن فالشاعر راصد لثقافة المجموع وموصل ثقافي له. وما اكتسبه من معارف أو ثقافات وأفكار يمتزج ببنائه للموّّال، وما أدركه من معرفة بيئية فإنها مسجلة بصورة طبيعية وواضحة في مواله. البناء الفني للموال تناول الكتاب القيمة الفنية للموّّال، وأوضح خصائصه من

ومن المعروف أن الموّّال أو الأغاني البحرية التي يؤديها «النّّهام» مع البحارة، هي لون من أغاني العمل الجماعي، يؤدي النّّهام الدور الرئيسي فيها. ومن خلال معرفتنا بالنّّهام وفن النّّهمة، فإنه يُُمكننا القول بأن نص الموّّال كان نصا مُُعاشا في الماضي، ولم يكن - كما هي الحال اليوم - ترفا فكريا أو تراثا أصيلا يعتز به الناس في بلدان الخليج العربي. ويوضح لنا مؤلف الكتاب علي شبيب المناعي، كيف التحم الموال بمشاعر وكيان أبناء الخليج، وأصبحت نصوصه المحفوظة في قاع الذاكرة الشعبية، أحد المخزونات الأدبية التي يدلي بها حفظة هذه النصوص لتحفظ كتراث أدبي م ُُتجدد المعاني بليغها محتفظ بحيويته رغم الفارق الزمني بين الفترة التي ابتدعت نصوصه فيها، وبين عصرنا الحالي، ورصد تلك الحيوية التي تمي ّّز بها المو ّّال والتي تكمن في شمولية معانيه وتجددها، مع الصغر في حجم المقطوعة الشعرية الواحدة. الرواة وحفظ الذاكرة ووفقا لنصوص الكتاب، فإن رواية المو ّّال لم تقتصرعلى عدد محدود من الرواة المشهورين فقط، بل إن الموّّال منتشر وشائع بين أغلب من ركبوا البحرمن أبناء بلدان الخليج العربي في الماضي، فلا تخلو ذاكرة أحدهم من بعض نصوصه، أو بعض أشطره التي علقت بها منذ تلك الفترة وإلى الآن. لكن أكثر هؤلاء الرواة هم من تعلقوا بالموّّال، وكانوا على دراية فنية بنصوصه، ورواية ما عرفه الموّّال في الخليج من نصوص ذات صبغة قصصية. ويروي علي شبيب المناعي في كتابه «مختارات الزهيريات من قطر والخليج العربي»، عن هؤلاء الرواة الذين حفظوا لنا الكثير من ذلك التراث الأدبي الذي

106

الموال في الخليج: من التعبير عن مشاعر الناس إلى توثيق معاناة الغوص

Made with FlippingBook - Share PDF online