torath 311 October, Nov 2025

مواسم القيظ

المقيظ في الإمارات رحلة التحول الموسمي للثقافة والهوية

لم يكن المقيظ مرتبطا بالزراعة فحسب، بل شكّّل نمطا موسميا للحياة والسكن أيضاًً؛ حيث كانت العائلات تنتقل من السواحل إلى الواحات، لتقيم في بيوت العريش المصنوعة من سعف النخيل وجريده، بجوار المزارع والعيون والأفلاج، طلبا للظل والماء، وللإقامة بالقرب من مواسم الحصاد. وتمثّّل رحلة المقيظ جزءا أصيلا من التراث الثقافي الإماراتي، إذ حملت هذه الرحلات إرثا اجتماعيا وثقافيا غنياًً، جسّّد وحدة الزمان والمكان والإنسان. كما تشير موزة المنصوري في كتابها «رحلة المقيظ في التراث الثقافي الإماراتي»، إلى أن التغيرات المناخية في الصيف قبل مرحلة الطفرة الاقتصادية أدّّت إلى تنوع الأنشطة، ما بين رحلات الغوص البحري لاستخراج اللؤلؤ، التي تستمر نحو أربعة أشهر، والرحلات البرية إلى المصايف، داخل الدولة وخارجها. كان أهل الساحل يُُعرفون باسم «الحض ّّار»، ويقودهم «الجري» أو «الكري»، وهم أدلاء محترفون يعرفون الطرق ويؤجرون المطايا، وتتخلل الرحلات أغان تراثية تُُعرف بـ«الحدوة»، لتسلية المسافرين وتخفيف مشقة الطريق. وقد برز دور

نجلاء الزعابي القيظ هو الاسم الذي يُُطلق على فصل الصيف في دولة الإمارات العربية المتحدة، ويمتد غالبا من شهر مايو حتى أغسطس. ويُُعد طلوع نجم الثريا في سماء الإمارات علامة فلكية تقليدية على بداية هذا الموسم. تتميّّز فترة القيظ بارتفاع شديد في درجات الحرارة، ترافقه رياح صيفية حارّّة وجافة تُُعرف بـرياح البوارح ورياح السموم. وتمتد هذه الفترة أربعين يوماًً، تُُعرف بـمربعانية القيظ. ومع بداية شهر يوليو، يظهر في الأفق الشرقي نجم الجوزاء، إيذانا بدخول جمرة القيظ، وهي المرحلة الثانية أغسطس. وخلال هذه 10 من موسم القيظ، وتستمر حتى المرحلة، تُُسجّّل موجات حر ترتفع فيها درجات الحرارة بمعدل لا يقل عن ثلاث درجات مئوية فوق المعدل الطبيعي، وتدوم عادة ليومين أو أكثر. وقد أطلق العرب القدماء على هذه الموجات اسم «وََغََرات»، وهي ظاهرة حرارية تتكرر خلال القيظ، وت ُُعد من أبرز سماته المناخية موسم الرطب والظلال والحنين ارتبط المقيظ في الذاكرة الإماراتية بمواسم الزراعة والحصاد، حيث كانت الواحات الداخلية مثل ليوا والعين تشهد نشاطا زراعيا مكثفا في فصل الصيف، مع بداية نضوج المحاصيل، وفي مقدّّمتها الرطب، الذي اقترن موسمه بموسم القيظ. ومن العبارات الشعبية الدالة على هذا الارتباط قوله: «قاضت النخل»، في إشارة إلى بداية إنتاج التمر، ويُُعرف أول محصول باسم البشارة. وكان جني التمور حدثا موسميا مهماًً، يشارك فيه جميع أفراد الأسرة، كبا ار وصغا ار ًً. وبعد الجني، ت ُُجفف التمور على أسطح مرتفعة تُُصنع من سعف النخيل وتُُرفع عن الأرض، حفاظا عليها من التلوّّث، لتخزينها واستخدامها لاحقاًً.

126 المقيظ في الإمارات رحلة التحول الموسمي للثقافة والهوية

Made with FlippingBook - Share PDF online