مواسم القيظ
. ) 2( معتدلة ومياه وفيرة
تشارك فيه مختلف الفئات العمرية، في مشهد يعكس التلاحم والإنتاج الجماعي. ثالثاًً: التلاقي والتواصل مثّّلت المقايظ نقطة التقاء بين أهل الساحل والبادية والجبال، وفرصة لتجديد العلاقات، وتبادل الأخبار، وتقوية الروابط الاجتماعية. لم تكن مجرد فترة راحة، بل مساحة حيوية للتعارف، والتعاون، وبناء جسور جديدة بين المجتمعات المختلفة. رابعاًً: الحياة الاجتماعية والكرم في بيوت العريش، كانت تُُروى الحكايات وتُُعقد المجالس، وتُُنسج الصداقات. وكان الكرم الإماراتي حاض ار في الضيافة من مواسم الدفء ا � اليومية، حتى بات المقيظ موسم الإنساني والتواصل العميق، حيث تلعب العلاقات الاجتماعية دوار محوريا في الحفاظ على التماسك المجتمعي. خامساًً: ترسيخ القيم والهوية كان المقيظ مدرسة مفتوحة لتعلم الصبر والتكيّّف ومواجهة قسوة الطبيعة، وفي الوقت نفسه، كان تجربة تعزز من شعور الإنسان بالانتماء، وتجعل الفرد جزءا من نسيج اجتماعي وثقافي أكبر، يجدده مع كل موسم. المقيظ في الشعر الشعبي شكّّلت رحلات المقيظ إحدى أبرز الظواهر الاجتماعية المرتبطة بفصل الصيف في دولة الإمارات، واستمرّّت هذه العادة لقرون طويلة، ولم تبدأ في الانحسار إلا خلال العقود القليلة الماضية. وقد انعكست هذه الظاهرة في الشعر النبطي الإماراتي، وفي الأهازيج والقصص الشعبية ِل مشقة السفر إلى �ِّ التي رافقت تلك الرحلات، إذ كانت تُُحو سردية جماعية، ترويها الأجيال وتستدعي من خلالها قيم الصبر والتكيّّف والتواصل. من أبرز تلك الأهازيج أغاني «الهولو»، التي كانت تُُنش ََد أثناء ركوب الجمال، لتبعث الحماسة وتخفف عن المسافرين عناء الطريق. أما في الشعر، فنجد تجليات المقيظ واضحة في قصائد العديد من الشعراء الإماراتيين. فالشاعر خليفة بن مترف، في واحدة من قصائده، يصف بيت العريش ويحتفي بالقادمين من رمضاء السواحل إلى ظلال الواحات، : ) 5( حيث يقيمون في بيوت من سعف النخيل، فقال
ًًا الكريّّان: كان الكريّّان - وهم أصحاب الجمال - يلعبون دور أساسيا في رحلة المقيظ، إذ كانوا يقومون بتجهيز الإبل وتأجيرها للعائلات الساحلية التي لا تملك مطايا، لتيسير تنقّّلها بين الساحل والواحات. وسائل النقل الحديثة: ومع تطور الزمن، تغيّّرت ملامح الرحلة، فتحولت وسائل التنقّّل من الجمال إلى سيارات الدفع الرباعي، التي أصبحت وسيلة الوصول الحديثة إلى أماكن المقيظ، لكنها لم تُُلغ الطابع التراثي الذي ظل ماثلا في ذاكرة المجتمع. رحلة المقيظ: موسم الراحة والعمل والتواصل كان الإماراتيون في الماضي، حين يشتد القيظ ويحل فصل الصيف، يتهيؤون لرحلتهم السنوية الشهيرة عبر الصحراء، قاصدين الوديان والواحات على ظهور الإبل، في قوافل تتهادى بعيدا عن السواحل اللاهبة والرطوبة العالية. هذه الرحلة الموسمية لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل تجربة : ) 3( حياتية عميقة، تتعدد فيها الأهداف وتتشابك الأبعاد أولاًً: الراحة والاستجمام شكّّلت الواحات، بما فيها من نسائم لطيفة وظلال نخيل وارفة، ملاذا طبيعيا للعائلات، خصوصا النساء والأطفال، الذين كانوا ينتقلون إلى مناطق مثل العين أو ليوا هربا من حرارة الصيف القاسية. في تلك الفترة، كان الرجال يركبون البحر بحثا عن اللؤلؤ، ضمن رحلات تمتد من مايو إلى سبتمبر، بينما تُُهيأ بيوت العريش المصنوعة من سعف النخيل لاستقبال القادمين من الساحل. وتشير بعض التقديرات إلى أن نسبة من كانوا يمكثون في جزيرة أبوظبي من السكان، نتيجة ندرة المياه 5% خلال الصيف لا تتجاوز العذبة وصعوبة العيش، إلى أن تغيّّرت الأحوال تدريجيا مع نهاية الستينيات بظهور الوظائف والأعمال الدائمة في . ) 4( المدينة ثانياًً: جني الثمار وتخزينها كان المقيظ موسم عمل أيضاًً، إذ يبدأ مع نضوج المحاصيل الزراعية، وعلى رأسها الرطب. وتُُعرف ذروة هذا الموسم بمرحلة «القاضت»، حيث يتم قطف التمور وجمعها وتجفيفها وتخزينها لاستخدامها على مدار العام. وهو جهد
128
المقيظ في الإمارات رحلة التحول الموسمي للثقافة والهوية
Made with FlippingBook - Share PDF online