كلمة رئيس التحرير
مفردات التراث الإماراتي في أدب الرحلات
أدب الرحلات رافدا معرفيا أساسيا لدراسة التراث الإماراتي، إذ يتيح للباحثين مقاربة الصورة اليومية للمجتمع المحلي من يمثل خلال شهادات خارجية حيّّة. فالنصوص التي دوّّنها الرحالة، سواء أكانوا تجاار أم مستكشفين أم موظفين إداريين، لم تقتصر على الوصف الجغرافي أو تدوين المسالك البحرية والبرية، بل امتدت لتسجل تفاصيل دقيقة عن أنماط المعيشة والمفردات المتداولة بين الأهالي. ومن هنا، يكتسب هذا الأدب قيمة مزدوجة، تاريخية وثقافية، بما يحمله من حفظ لذاكرة اللغة الشعبية ومن أبرزالمفردات التي أضاءت عليها الرحلات، مفردة «السدو»، وهو فن نسج الصوف الذي ارتبط بأهل البادية وتم من خلاله إنتاج مفروشات وأغطية وبيوت شعر مث ّّلت عنص ار أساسيا في الحياة اليومية. كما وردت إشارات إلى «العريش»، الذي يعد أحد المساكن التقليدية الصيفية المشيدة من جريد النخل، والذي يعكس علاقة الإنسان بالنخلة كمورد مادي وثقافي في آن واحد. كذلك برزت لفظة «المجلس» باعتبارها مرك از للحياة الاجتماعية، حيث يتداول فيها الناس الأخبار، وتُُعقد المجالس الاستشارية، ويُُمارس الكرم كقيمة أصيلة في الهوية الإماراتية. ) إلى بعض مفردات التراث الإماراتي عند وصفه 1959 وقد أشار الرح ّّالة البريطاني ويلفريد ثيسيجر في كتابه «الرمال العربية» ( لحياة البدو في ليوا والظفرة، موضحا دورها في تشكيل الهوية المعيشية للقبائل. وي ُُعد عمل جون جوردون لوريمر«دليل الخليج ) مرجعا وثائقيا بالغ الأهمية، لما يقدمه من وصف شامل للمواقع والعشائر 1915 - 1908 وعُُمان وشبه الجزيرة العربية» ( والمصطلحات والعادات في الخليج، بدقة تفوق ما أورده غيره من الرحالة. أما الرح ّّالة الدنماركي كارستن نيبورفي القرن الثامن عشر، فقد سج ّّل إشارات مبكرة إلى مساكن العريش ومجالس الشورى في الجزيرة العربية، باعتبارها مؤسسات اجتماعية أصيلة هذه المفردات ليست مجرد كلمات معزولة، بل علامات ثقافية تعكس علاقة الإنسان بالبيئة وأنماط التكيف مع المناخ القاسي وندرة الموارد. وتكرارهذه الألفاظ في نصوص الرحالة عبرفترات زمنية مختلفة ي ُُظهرثبات حضورها في الوعي الجمعي، ويجعلها شاهدا على ثبات التقاليد. وتبرزأهمية أدب الرحلات في كونه وثيقة غيرمتعمدة لحفظ التراث؛ فملاحظات الرحالة بدافع الدهشة والاكتشاف أسهمت في صون مفردات مهددة بالاندثار خلال التحولات الاقتصادية والاجتماعية بعد اكتشاف النفط وبداية التحديث. وعليه، فإن إعادة قراءة أدب الرحلات لا تمثل نشاطا تاريخيا فقط، بل هي مدخل لإحياء التراث اللفظي وتوظيفه في الكتابة المعاصرة. فهذا الأدب ي ُُعيد تشكيل الهوية الثقافية عبروصل الماضي بالحاضر، ويمنح الدارسين مادة خصبة لفهم عمق الانتماء الإماراتي إلى بيئته، ولتأكيد الدورالحيوي للغة في صون الذاكرة الجماعية وتعزيزالهوية الوطنية. لقد جاء اختيارنا لهذا الموضوع ليكون ملف عدد « » لهذا الشهر. نأمل أن تجدوا في موضوعاته المتنوعة ما يُُثري المعرفة ويُُنعش الذاكرة الثقافية.
ي đ هر ʢ ̷ظ ا ل Ƶ ة ا ĕ͒ ش مس � ƒ رئيسة التحرير
Made with FlippingBook - Share PDF online