إضاءة
حين يصمت الباب عن الطرق والفتح بعده، ويطول الصمت بغياب متعمد ليبقى الباب في حالة الإغلاق، يعني بإيجاز عزلة الداخل عن الخارج، حيث إن الوظيفة الانفتاحية للباب معطلة، وأن ممارسة الباب للفسح والسماح بالعبور في الاتجاهين المتعاكسين لا تتم، لا أحد يخرج ولا أحد يدخل إمعانا في أن القابع خلف الباب من جهة الدار صار معزولا تماما عن الخارج، وتوقفت سبل التراسل الحيوية، ويعزز ذلك صمت الطرق على الباب من قِِبل قاصد لأهل المكان إمعانا في أن من بالداخل لا علاقات له سوية مع أي ممن هم في الخارج ولا أهل، ولا أصدقاء ربما، وربما هو لأسباب لن ندخل في تفاصيلها أصبح لا علاقات إنسانية له ولا أحباب ولا معارف ولا تعاملات تسبب للباب فعل الفتح والفسح أو لآلية الطرق أن تتم من عدمه. هذه العزلة القصدية أو غير المبررة أحيانا ولأي الأسباب كانت تعني التوحد والتشظي لهذا القابع خلف الباب الصامت الساكت الأخرس الذي توقف جرسه عن الرنين، أو أن انعدام أدوات الطرق على أخشابه لأسبابها تفتح الباب لأسئلة كثيرة تتصل بهذا المنعزل الذي صمت قرع الباب عنه ما جعله متوحدا منعزلا لا أحد يسأل ولا أحد يدق الباب أو يقرع أخشابه، الباب هنا تحول إلى أداة عزل وقمع، وخلق خلفه مكانا موحشا مبترداًً، لا يدخل منه إنسان يواسي أو يسأل أو يستأنس له أهل الداخل، ولا يسمح بضجيج الحياة الخارجية أن يدخل ليحدث نوعا من التواصل بين الصمت والحياة، بين العزلة والحركة، بين السكون والضجيح الفاتح على حيوات الحياة وحراك الناس في دبيب معاشهم واحتراكهم في دروب الاسترزاق اليومي والمعيشي، وفاعلية الباب المتوقفة تعلمنا أن الساكن خلفه مقهور في عزلة ومبترد في وضعه البائس، لأن الطرق على الباب صامت ومتوقف، وكأن صمت الطرق باب للوحشة والانعزال، الطرق المتوقف أو الجرس المتعطل عن وظيفته الإعلامية والإعلانية عن وجود آخر يريد أن يقيم علاقة مع الداخل، العزلة في صمت الطرق على الباب
عبد الفتاح صبري روائي وناقد مصري
يفتح أسئلة الفضول عن وضعية ونفسية الشخص المقيم في عزلته والأسباب، التوقف والتعطل لوظيفة الطرق على الباب تستدعي التعاطف مع الشخص الداخل كونه لا زائرين لديه، وأن أدوات التواصل بينه وبين الخارج وأهل الخارج معطلة ومتوقفة، إنه عالم الحضورالفائق خارج الباب، وعالم الغياب والانقطاع للمساحة خلف الباب وغياب الساكن في فضاء العزلة والغياب، وانقطاع الصوت الطارق والصورة البصرية لما خارج الباب تزيد من هذه العزلة والغموض الذي يمكن أن تثيره أسئلة الوعي بمدركات هذا الشخص المنقطع عن العالم، وإنسانيته التي تعاني الانقطاع. في العزلة يتحول المكان إلى امتداد للذات بعد أن كانت له، المكان بفراغاته واحتشاداته تحدث ا � الذات امتداد فيه تحولات عميقة، ويبدو المكان المنعزل فاقدا لسطوته الجمالية والوظيفية والمعنوية كحاو لإنسان بكامل طاقاته الإبداعية والإيحائية والذي كان ينظر للمكان بحميمية وتآلف وتوحد مبهر، ويخلق فيه روح الإبداع والتألق ويجعل منه جنته وسكينته ومأواه الأثير، هذا المكان الذي يفقد ضرورته وبنيته أيضاًً، ويجعل المكان المغلق المنعزل بفعل الباب الصامت وانقطاع الطارقين المحظور عليه يصبح ضد الحرية وصنوان للسجن وإن كان اختيارياًً، لأنه حين يصمت الباب ويطول صمته ويغيب الطرق على ألواحه وأخشابه والنقر البشري الآذن بروح التواصل الإنساني، وفتح أقنية ومسارات
48 العزلة في صمت الطرق على الباب
Made with FlippingBook - Share PDF online