لأنه في ريبة من الطمأنينة النفسية والمعنوية تجاه الزمن المجهول الذي يعيشه، وأعني بالمجهول أنه زمن بلا أفق متحول أوباعث على التغييرنحوالأفضل في ظل عزلة محاطة بالصمت وانعدام يأتي من الباب، أو حتى بطرق بشر أو خير، هل سيكون عدوانيا أو باحتمال آخر هل ستزداد عدوانيته تجاه نفسه وتزداد إحباطاته وخيباته، هل ستتمكن منه طاقة سلبية سيصدرها إلى نفسه نظ ار لحالة الضيق والملل وانعدام فرجة الأمل باتجاه إنسان آخر قادم يؤنس وحدته ويجعله يغادر عزلته.. القوانين النفسية التي تتحكم بالسلوكيات يجب التأمل فيها والبحث في مردودات رد فعل هذا الإنسان المنعزل خلف باب موصد تجاه نفسه وتجاه الحياة بعامة، نظ ار لهذا الظرف الطارئ "الزمكاني" الذي يحتوي هذا الغائب عن العالم، الخائف في نفسه خلف باب عصي على الانفتاح بفعل آلية التواصل وغياب الطارق، مما ولد مساحة فارغة من الحميمية والتواصلات البشرية الباعثة على طاقة الحياة والتفاعل مع آلياتها، ومع مفرداتها المتنوعة والمتعددة والرابطة بين إنسان وآخربرباطها البشري والإنساني، من أجل مدركات الحياة ذاتها وضوابطها على البشر. المنعزل هذا هو المتوحد في ذاته سيؤثر فيه غياب الآخر الذي لا يمرق من الباب، ولا يأتي ولا حتى يعطي إشارة بالطرق عليه، بالتأكيد ستبدو سلوكياته الطبيعية وستتحول وستؤثر في نظرته إلى الخيروالشروالجمال، وكيف سينصرف تفكيره في أمور أكثر تعقيدا متصلة بالكون الواسع خروجا وهروبا من مكانه الضيق المنتشي بأطر الانعزال والانغلاق والابتعاد القسري أو الظرفي عن الإنسان الونيس والجليس. فإذا كان الإنسان استطاع أن يحول الزمن إلى مسافة من خلال التأمل في النجوم، فإن الإنسان المنعزل ممكن أن يحول المكان إلى ساحة من الدمار والخراب للنفس البشرية من خلال تحويل الذات إلى حالة من الصراع بين ما يجب أن يكون وبين فراغ العزلة ووحشة التوحد خلف الباب. الباب الموصد على الإنسان يمنحه طاقات سلبية وعناء وعذابا ماديا ومعنويا ويفتح لهذا المنعزل مسارب الوحشة وخراب الذات
الحميمية، والتفاعل لضخ معنويات الحياة وصخبها وألوانها يظلم المكان معنوياًً، لأن الباب الذي طال غياب الطارقين ًًا عليه أصبح صانعا للعزلة. وبالتالي تتولد لدى المعزول نظر للتهيئة النفسية التي تشك ّّلت بالإغلاق وتأثره بالأسباب المادية للقلق المؤكد، كإسدال المزاليج وإحكام الرتاج، شروط العزلة وكأنه تم تفريغ المكان إلا من الصمت على الفضاء المحيط به، هذه العزلة وهذا الانعزال سيقود المنعزل خلف الباب الذي لا يغشاه أحد إلى شخص آخر خارج من سياقاته الإنسانية. في العزلة تتعطل لغة الكلام وترتفع لغة الفكر وإعمال العقل، ربما في السلبيات، وتتمدد الذكريات وربما تتفجر لحظات اندثرت سنوات طوالا ًً، وتوارت خلف حوادث اليومي والمعيشي.. التفاعل مع الآخر هو بوابة الحياة ومدخل نحوالإحساس بالذات وقدرتها، أما غياب الآخروالانعزال خلف الباب هو وطء للنفس وقتل ودمار لها. بغلق الباب وصمت الطرق يتحول المكان إلى موحش، وربما مخيف يضفي الملل، وربما تنتفي عند المنعزل داخلا الطمأنينة النفسية والروحية ولا يجد ما يبعث عنده ما يحفز على صفاء النفس والذهن، ويفتح المجال للتفكير والتأمل السلبي ودفقا ق مرتبط بالخوف والرهبة لغياب الإنسان، وتبعا لذلك ا غير خل ّا غياب الإحساس ببشرية هذا المنعزل خلف الباب الذي فقد خاصية الطرق وخاصية النقرإيذانا بانفتاحه، وإيجاد مسارات التواصل مع العالم الخارجي من ناحية، وإنسان قادم لإقامة علاقة إنسانية مع هذا الذي فقد إحساس التواصل واغترب في مكانه وزادت درجة وعيه نحو الفقد والتوحد. هنا تبدو أهمية الباب الفائقة كأداة ربط ووصل بين عالمين، وهذه الصلة التي يحدثها الباب تفوق إلى حد الإحساس بإنسانية الإنسان حين يتواصل، هذه المعنويات العالية التي يبثها طرق الباب ويؤكدها انفراج الباب هي سبب مباشر للبهجة بنشرها على المنعزل، ويفتح له طاقاته الإيجابية نحو الحياة والتعالق معها، والبحث عن مكامن سعادتها في وضعية عكسية حين يظل الباب صامتا فاقدا للطرق وفاقدا للحركة مشلول الدوران حول نفسه لاختراق الصمت والعزلة. ماذا عن السلوك الإنساني تحت ضغط الانعزال، هل يخاف
49 2025 نوفمبر - أكتوبر 311 / العدد
Made with FlippingBook - Share PDF online