سرد الذاكرة
صقور ت ُُطلق بعد القنص.. وذكريات لا ت ُُنسى
المرافقين تقول: إن «عينا أصابته»، ولم أجد في نفسي ما يدعوني إلى التشكيك؛ فلم يكن هناك أي سبب ظاهر لوفاة صقر بهذه البنية وهذا العنفوان، خصوصا أن باقي الطيور وصلت بحالة جيدة، دون أن يمسّّها سوء. وفي خضم هذه الخسارة، واجهتنا صعوبة أخرى؛ ففندق «جورج سانك» رفض استقبال الصقورضمن إقامتنا، ما دفعنا لاتخاذ قرارالمغادرة في اليوم التالي. من التقاليد المتّّبعة بعد شراء الصقر، أن يُُغطى رأسه على الفور بالقناع المعروف، ثم ي ُُحمل لفترة طويلة كي يعتاد على الناس وتخفت طبيعته الوحشية تدريجياًً، حتى يتحوّّل إلى صقر «أليف». وبعدها، يُُرفع الغطاء عن عينيه بين الحين والآخر، كجزء من عملية تدريبه على التكيّّف مع محيطه الجديد. وكنت أدهش دائما من صرخات الصقّّارين التي تتردّّد في الأرجاء (إش إش إش...)، يتبعها تمرير الأيدي بخف ّّة على رأس الصقر وصدره؛ تمهيدا لدخوله مرحلة التدريب الفعلي. وما أن يحل شهر نوفمبر، حتى يكون الطائر قد تجاوز مرحلة التأقلم، وأصبح جاه از لخوض تجربة الصيد الأولى.
خليل عيلبوني مرّّت أكثر من ثلاثين سنة على تلك الرحلة التي امتدت لخمسة عشر يوماًً، ومع ذلك لا تزال تفاصيلها نابضة في الذاكرة. كانت البداية في باكستان، لكن رحلة القنص تحوّّلت لاحقا إلى تقليد سنوي تتنوّّع فيه الوجهات وتتشع ّّب، لتشمل لاحقا بلدانا أخرى مثل سوريا، والمغرب، والجزائر. ورغم تغي ّّر الأمكنة والأزمنة، بقيت مشاعر الترقب، وطقوس الاستعداد، وحماسة الانطلاق كما هي، بل غدت نمطا محبّّبا وراسخا في حياتنا. كان التحضير يبدأ بالتأكّّد من أسماء المشاركين، ومتابعة حالة الصقور التي يشرف عليها خبراء متخصصون في عملية «تقييظ» - أي رعاية الصقر خلال الصيف من حيث التغذية والعناية الصحية. بعد ذلك، يبدأ موسم شراء الصقور الجديدة، حيث ينشط عدد من المتخصصين في هذا المجال، أمثال أبو علي دبين - رحمه الله - من منطقة الرحيبة في سوريا، والذي كان معالي الدكتور مانع يكلّّفه باختيار أفضل أنواع الصقور، لا سيما «الحر». وكلما مال لون الصقر إلى البياض وازداد طولاًً، ارتفع ثمنه وزادت قيمته بين عش ّّاق القنص. وما زالت تلك اللحظة عالقة في ذهني، حين هبطنا يوما بطائرة خاصة في مطار دمشق، وكان هدفنا الوحيد استلام مجموعة من الصقور التي أعد ّّها أبو علي خصيصا لمعاليه. من بين تلك الطيور، كان هناك صقر «حر» ناصع البياض، فخم الهيئة، طويل القامة، وكأنه قطعة من الفن الخالص... بلغ ثمنه مليون درهم. لكن المفاجأة المؤلمة كانت في باريس، حيث لفظ الصقر أنفاسه فجأة، دون مقد ّّمات أومؤشرات. ضاع المليون، وضاع معه طائر كان آية في الجمال والقوة. سرت همسات بين
78 صقور تُُطلق بعد القنص.. وذكريات لا تُُنسى
Made with FlippingBook - Share PDF online