خيمة وأثر وحبارى من خلال مشاركتي المتكررة في رحلات القنص، تبيّّنت لي القيمة العميقة التي تنطوي عليها هذه التجربة، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. فهي ليست مجرّّد مغامرة في الصحراء، بل مدرسة حقيقية في التعاون والانضباط والمساواة. ولعل ما كان يؤكد عليه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّب الله ثراه - من ضرورة تحقيق المساواة بين الجميع، يتجلى بأبهى صوره في هذه الرحلات؛ حيث لا مكان للألقاب أوالمناصب، فالجميع يضطلعون بدورهم. حين نكون في البر، ينهض كل فرد بمهمة ما، حتى في أدق تفاصيل الحياة اليومية كتحضيروجبة العشاء. هناك من يتولى جمع الحطب، وآخر يتكف ّّل بـ«ترييش» الحبارى، أي إزالة الريش عنها، بينما يتفرغ غيرهم للطبخ. أما أنا، فقد اختصصت بإعداد السلطة، التي لم أكن أجيد غيرها، لكنها مع الوقت تحوّّلت إلى جزء لا يتجزأ من هوية الرحلة. صاروا يطلقون عليها «سلطة خليل»، وبات مذاقها الشهي ينافس «كبسة» الحبارى التي أبدع في إعدادها كل من عامر المنصوري، وعلي زاد جول، الذي كنّّا ندعوه بود «علي قهوة». وفي ما يخص عمليات البحث عن الحبارى، فقد صقلتنا التجربة حتى أصبحنا نميز آثار أقدامها على الرمال، لكن الفضل الأكبر يعود إلى الخبراء مثل: أحمد الظريف، وسيف المنصوري، ونصيب بن عجلان، الذين يملكون مهارة فريدة؛ إذ يستطيعون من نظرة واحدة تتبّّع الأثر، وتحديد عدد الطيور التي مرّّت، بل حتى الوقت الذي . مضى على عبورها حديث النار والقهوة كان للسهرات في الصحراء سحر خاص لا يُُنسى. نجتمع حول النار المشتعلة، وتدور فناجين القهوة وأكواب الشاي بين الأيادي، فيما تتهادى الأحاديث عن مغامرات النهار وأحداثه. هناك، تحت السماء المفتوحة، تغمرنا راحة حقيقية، تنسينا صخب الحياة ومشاغلها، فلا يبقى في البال سوى تفاصيل اليوم الطويل الذي قضيناه في التجوال بين الرمال والوديان والمرتفعات الجبلية. نستعيد لحظات الغارات الجوية التي نفذتها الصقور، وهي تنقض على طائر الحبارى، ذاك المخلوق الذي لا يخلو من دهاء وشجاعة؛ إذ يستطيع أحيانا أن يفلت من الصقر، برش
مادة لزجة قد تكون سلاحا غرييزّّا يُُطلقه بدافع الخوف أو التحدي، فيفاجأ الصقربالتجمد في مكانه، عاج از عن الحركة أو الطيران. وقد أبدع الشاعر الدكتور مانع سعيد العتيبة في التقاط هذا الجو الساحر، عندما صو ّّر دفء تلك الليالي في قصيدته الشهيرة «يوم في القنص»، فخلّّد لحظاتها بكلمات تنبض بحب البر وعذوبة الذكرى: حول نـارالمساء طافـت حكايـا.. عـن شواهيـن سابقت أحــرارا ليس مثل الشاهيـن قـال نصيب.. فتصـدى السعيــد فورا وثــارا قـال للحـرفي الطيـورمقــــام.. لم ينلـه الشاهيـن مهما أغـــارا فهوأقـــوى وأكبرالطيرحجمـا ًً.. والحبـارى ترى لديـه الدمـارا واستمـر النقاش يعلـــو ويحلــو.. واستمر الحـوار يتلو الحـوارا كم يلذ الحديث في الصيـد.. لمــا تشعـل النارفي المشاعرنارا ّّــل الأشـعـــارا يمنـح الشعــرللحكـايـا جمــالا ًً.. والحكـايـا تجم هكـذا الصيـد بالصقـور.. وهــذا هـوما يمنح الرجـال الفخـارا ورغم أن الكلمات لا تفي تلك اللحظات حق ّّها، فإن ما علق في القلب من صور وروائح وأصوات سيظل حيّّاًً، يرافقني كلما هب ّّت نسمة برية أولمع ضوء نارفي عتمة ليل. فهناك، في قلب الصحراء، تعلّّمت كيف يكون الإنسان أقرب إلى ذاته، وإلى من حوله… بلا ألقاب، بلا مسافات. رحلات القنص لم تكن مجرد مغامرات عابرة، بل فصول من حياة كُُتبت بالرمل والهواء، وعُُمّّدت بوهج الرفقة، وصهيل الطير، وهدوء المساء. وكلما استرجعت تفاصيلها، شعرت أن شيئا من الروح ما زال هناك… ينتظرني عند أول خيط فجر أكاديمي وإعلامي
79 2025 نوفمبر - أكتوبر 311 / العدد
Made with FlippingBook - Share PDF online