89 |
سمات هذه التغطية الإعلامية من خلال تقييد حرية حركة المراسلين، وحظر وصولهم إلى جبهات القتال وجغرافيا الحرب؛ ما فرض اعتمادًًا كليًًّا على الإفادات العسكرية الرســمية. كما برزت خصائص اصطناع واقع الحــرب أيض ًًا في انتقاء مقاطع فيديو " لعبة فيديو " وهي تضرب أهدافها بدقة متناهية لتبدو الحرب وكأنها " القنابل الذكية " نظيفة وخالية من الدمار والدماء والقتلى، مع فرض رقابة صارمة لمنع تسريب صور الضحايا والأشلاء المتناثرة، والنيران المتصاعدة في كل مكان، خاصة في الفترة التي ســبقت وجود مؤسسات إعلامية كبرى في المنطقة. ولأن الجزيرة لم تكن موجودة الجمهور العربي " آنذاك، فإن الجمهور العربي كان أمام سردية أميركية خالصة، أي إن كان يُُتابــع ويتلقى الأخبار والصور الميدانية والمؤتمرات الصحفية من مصدر واحد مهيمن هو قناة ســي أن أن، في حين كان الصوت العراقي أو العربي المعني الأول ). ومع دخول شبكة الجزيرة حيِِّز الخدمة الإخبارية، وقع نوع من 27 ( " بالحرب غائبًًا تحرير " تتحدث عن " ســي أن أن " وفي الوقت الذي كانت فيه " الصدام الســردي، ) في 28 ( " ، كانت قناة الجزيرة تتحدث عن الغزو الأميركي للعراق " العراق من صدام تُُْنِْتِج نموذجها المصطنع " ســي أن أن " . بمعنــى آخر، في الوقت الذي كانت 2003 واقع " عن تحرير العراق، كانت الجزيرة تُُحاول تفكيكه وكشف تهافته للحديث عن . " غزو العراق ضمن هذه السردية، وباستخدام ذات الإستراتيجية، أي آلية التحك ُُّم واصطناع سردية ُُْخفِِْي ما يجري على أرض الواقع من دمار، لتلقى للحرب تَُُغَِّلِف واقعها القاسي، وت استحسان ورضى الجمهور، لجأ الجيش الأميركي إلى التحك ُُّم فيما ي ُُْرَْوَى عن الحرب ، ولكن بطريقة مغايرة لما كان عليه الأمر خلال عملية عا فصة 2003 على العراق سنة الصحراء، والتي كانت من الناحية الإعلامية حكرًًا على السردية الأميركية فقط. ولما ظهرت مؤسسة إعلامية عربية كبرى في المنطقة -الجزيرة- ينتشر مراسلوها في كل مكان، فقد كان الحديث في دوائر صنع القرار الأميركي عن مســاع لاصطناع واقع جميل للحرب والاهتمام بأسلوب مصطنع لعرضها بدل السعي لإخفائها. وفي كتابه: ، " حرب الخليج لم تقع " قال جون بودريار عبارته الشهيرة: " المصطنع والاصطناع " وكان يقصد بذلك أن صورة حرب الخليج التي قد ََّمتها وسائل الإعلام الغربية ليست " فوق-واقع " هي حرب الخليج، أي ليست الواقع الفعلي لحرب الخليج، إنها بعبارته ا ، ثم تبعته في ذلك بقية قنوات الإعلام هذه الحرب؛ إذ ص َّوَرها الإعلام الأميركي أولًا
Made with FlippingBook Online newsletter