وتــوحـيـد إمامـة المصـلـين في الحــــرمـــيــن الـشــــــــــريـفـــين الملك عبد العزيز آل سعود رَحمَه الله
1 المقدمة | الملك عبد العزيز آل سعود (رحمه الله) وتوحيد إمامة المصلين في الحرمين الشريفين
تأليــــف: د. فــيـــصل بن مشـــعل بن ســـعود بن عــــبد الــــــــعزيز
ح
هـ ١٤٣٩ ، فيصل بن مشعل بن سعود بن عبد العزيز آل سعود النشر أثناء الوطنية فهد الملك مكتبة فهرسة آل سعود، فيصل بن مشعل بن سعود بن عبد العزيز الشريفين. الملك عبد العزيز آل سعود وتوحيد إمامة المصلين في الحرمين فيصل بن مشعل بن سعود بن عبد العزيز آل سعود .- / هـ ١٤٣٩ ، الرياض ص؛ ..سم .. ٩٧٨ - ٦٠٣ - ٠٢ - ٧٤٢٧ - ٧ : ردمك
عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، ملك السعودية -۱ الحرمان الشريفان - 3 الملك عبد العزيز - تاريخ - السعودية - ٢ أ. العنوان ١٤٣٩/٩٢٨٥ ٩٢٣,١٥٣١٠٥ ديوي
١٤٣٩/٩٢٨٥ : رقم الإيداع ٩٧٨ - 6٠٣ - 02 - ٧42٧ - ٧ : ردمك
ﺻﻮرة ﺗﺠﻤﻊ اﻟﻤﻠﻚ ﻋﺒﺪ اﻟﻌﺰﻳﺰ -رﺣﻤﻪ اﻟﻠﻪ- وﺧﺎدم اﻟﺤﺮﻣﻴﻦ اﻟﺸﺮﻳﻔﻴﻦ اﻟﻤﻠﻚ ﺳﻠﻤﺎن ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻌﺰﻳﺰ -أﻣﺪ اﻟﻠﻪ ﻓﻲ ﻋﻤﺮه-
ﺑﻜﻞ ﻣﺎ ﻳﺨﻄﻪ اﻟﻘﻠﻢ وﺗﻔﻴﺾ ﺑﻪ اﻟﻤﺸﺎﻋﺮ ﻣﻦ اﻟﻘﻠﺐ، أﻫﺪي ﻫﺬا اﻟﻜﺘﺎب وﻫﺬا اﻟﻌﻤﻞ اﻟﺘﻮﺛﻴﻘﻲ إﻟﻰ ﻗﺎرئ اﻟﺘﺎرﻳﺦ اﻟﺴﻌﻮدي اﻷول وﺧﺒﻴﺮ ﺻﻔﺤﺎت اﻟﻜﺘﺐ ﺑﻜﺎﻓﺔ ﻣﺸﺎرﺑﻬﺎ ﻣﻮﻻي ﺧﺎدم اﻟﺤﺮﻣﻴﻦ اﻟﺸﺮﻳﻔﻴﻦ الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود حفظه الله ورعاه وأيده بعزه ونصره وتوفيقه.
المؤلف
ربنا لك الحمد اللهم ربنا لك الحمد بما خلقتنا ورزقتنا وهديتنا وعلمتنا، وأنقذتنا وفرَجت عنا. لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بأالهل والمال والمعافاة. كَبَت عدونا وبسطت رزقنا، وأظهرت أمننا، وجمعت فُرقتنا، وأحسنت معافاتنا، ومن كل ما سألناك ربنا أعطيتنا.
فلك الحمد على ذلك حمدًا كثيرًا.
لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث، أو سر أو علانية، أو خاصة أو عامة، أو حي أو ميت، أو شاهد أو غائب.
لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الملك عبد العزيز آل سعود (رحمه الله)
وتوحيد إمامة المصلين في الحرمين الشريفين
قامت دارة الملك عبد العزيز بالرياض بمراجعته واعتماده
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد. شواهد عدة تأخذ بناصية من يتأمل سيـرة مؤسـس الممــلكــة العــربيـــة السعوديـة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمـن الفيصـل إنه -رحمه الله- لم يكن ينظر إلى تأسيس بلاده علـى أنهـــا معركـــة أو مجموعـــة معارك جهادية، خاضهـا بنفسـه، أو أرسل إليها قادته على رؤوس جيوشه، ليخضع نثار عدد من البلدان المترامية في شبه
الجزيرة العربية تحت كيان واحد، أصبح يسمى المملكة العربية السعودية، بقدر ما كان ينظر إليها نظرة الإمام الذي يؤم مصلين، بعدما أذن فيهم وقبل أن يصلي بهم، ظل يستدير يمنة ويسرة يتفقدهم ليتأكد من استواء صفوفهم، وملء فرجاتها، حتى تكتمل صلاتهم، ويغنموا أجرها عند الله. لقد كانت فكرة وحدة النسيج الاجتماعي والإنساني هاجسًا رئيسًا عند المؤسس، حين أدرك مبكرًا قبل أن تتكاثر نظريات علم الاجتماع وتصبح حديث الصباح والمساء في المنتديات والمؤتمرات وقاعات الدراسة، أن توحيد الكيان الوليد الذي أطلق عليه (سلطنة نجد)، ثم (مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها)، ثم (المملكة العربية السعودية)، لن يتحد بحد السيف وحسب، وأنه لن يكتمل ويصبح بنيانًا قويًا إلا بتوحد قلوب المجتمع الذي يظله هذا الكيان. المجتمع الآتي من تاريخ الثارات والعداوات والتشرذم، في أرض كانت، قبل أن تؤمنها -بعد الله تعالى- جيوش التأسيس، أرضًا للخوف. إن النظرة إلى تاريخ المؤسس الملك عبد العزيز، بوصفه تاريخًا من المعارك أسفر عن إخضاع أصقاع ما يعرفه العالم اليوم بالمملكة العربية السعودية، نظرة قاصرة مجحفة، في ظل ما يزخر به تاريخ المؤسس من مواقف تجسد حالة من الذكاء السياسي النادر، والقراءة العميقة لنفسية المجتمعات والقبائل، التي أدرك -رحمه الله- أن السيف ربما
15 المقدمة | الملك عبد العزيز آل سعود (رحمه الله) وتوحيد إمامة المصلين في الحرمين الشريفين
يكون سبيله إلى التغلب على القوى العسكرية التي تحول دون اندماجها في كيان دولته الجديدة، على أن تنتهي مهمة هذا السيف تمامًا بتسليم هذه القوى ودخولها تحت لواء المؤسس. أما مهمة دمج هذه المجتمعات والتأليف بينها وتنحية عداوات الماضي من ذاكرتها الجامعة المترعة بمشاهد الغارات والثارات والسطو والسبي والاقتتال، فمهمة تحتاج معالجة أخرى، وتناولا آخر أقرب إلى عالم الدراسات الإنسانية والدراسات السوسيولوجية، ودراسات علم نفس الشعوب. ما نشهده اليوم من انصهار لهذه المجتمعات في مجتمع واحد عميق الانتماء إلى كيان واحد يعتز به الجميع هو المملكة العربية السعودية، يقدم دليلا من الواقع على أننا لسنا بصدد الحديث عن قائد عسكري، بقدر ما نحن أمام قيادة إنسانية عميقة واعية تمتلك نظرة شمولية لها (كاريزما) نادرة، ممتدة التأثير عبر العصور والأجيال، ولعل هذا يزيل كثيرًا من الدهشة حين يبدأ تأريخ كل مشهد من مشاهد الحضور السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني أو الاجتماعي أو غيرها من مشاهد الحياة في المملكة العربية السعودية من زمن المؤسس، مما يعني أننا أمام قائد فذ بعيد النظر قارئ فطن حصيف لسنن التاريخ والخلق ولسِيَر الأمم.
الملك عبد العزيز آل سعود (رحمه الله) وتوحيد إمامة المصلين في الحرمين الشريفين | المقدمة 16
أتذكر عندما كنت أكتب بحث رسالة الدكتوراه عن التطور السياسي للمملكة العربية هـ، التقيت بصاحب الفضيلة الشيخ 1420 السعودية وتقييمًا لمجلس الشورى عام محمد بن جبير رئيس مجلس الشورى حينها، وكان الحديث والمقابلة عن بدايات مجلس الشورى وتأسيس الملك عبد العزيز -رحمه الله- له، فقال لي كلمة لا أزال أتذكرها، وهي من أكثر الأوصاف دقة لخصلة نادرة في الملك عبد العزيز -رحمه الله-، عندما قال الشيخ محمد بن جبير إن الملك عبد العزيز يتميز بصفة قلما توجد بالحكام، وهي ميزة استصلاح الرجال. وهذا ما حدث بالفعل؛ إذ إنه -رحمه الله- جعل من أعدائه أصدقاء بل حلفاءَ، واحتواهم وقربهم منه، وعفا عن المتمرد منهم واستخدمه لخدمته، واستخدم دهاءه -رحمه الله- في استصلاح الرجال وضمهم إلى صفوف رجاله، حتى تحقق له مراده في وحدة هذه البلاد ووحدة القلوب ووحدة الأراضي وقبلها وحدة الإمامة في الحرمين الشريفين خلف إمام واحد، وهذه -لعمري- هبة من الله للإسلام والمسلمين لا يعلمها إلا من عايش الخوف والجوع والشتات قبل وحدة هذه البلاد الإسلامية الطاهرة ومهبط الوحي. إن بداية فكرة هذا البحث كانت فائدة سمعتها عشرات المرات من العم صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز -رحمه الله- حينما شرفت بالعمل معه سنوات طويلة، وقد سمعته يردد في مجلسه دائمًا، حتى بحضور ضيوف من خارج المملكة، كيف كانت حالة الإمامة في الحرمين الشريفين وتشتت المسلمين، وأن الملك عبد العزيز -رحمه الله- عندما دخل مكة تساءل مع كبار أهالي مكة وعلمائها قائلاً: "من يقصد هذا الحرم الشريف معتمرًا أو حاجًا ويرى هذه المقامات وكل يصلي وحده، فكيف يعرف من يصلي خلفه من تلك الجماعات؟"، وحينها -وبعد أن استشار العلماء وكبار أهالي مكة- أصدر أمره -رحمه الله- بتوحيد الإمامة في الحرمين الشريفين، كما سنرى في تفاصيل هذا البحث المختصر لهذا الإنجاز الإسلامي العظيم لتوحيد صفوف المسلمين. المؤلف د. فيصل بن مشعل بن سعود بن عبد العزيز
17 المقدمة | الملك عبد العزيز آل سعود (رحمه الله) وتوحيد إمامة المصلين في الحرمين الشريفين
التقديم:
. د. صالح بن عبد الله بن حميد 1 . د. عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس 2
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، فإن المسلمين تحيط بهم معية الله وعنايته إذا اجتمعوا على ما أمرهم به من توحيده وحسن عبادته، وكانوا يدًا واحدة على من سواهم، وكنف الله ووقايته تحفظهم من الأذى والخوف والاضطراب، فإذا تفرقوا زالت السكينة، وأوقع الله بأسهم بينهم، وفسدت أحوالهم، ذلك أن الطاعة والجماعة هي حبل الله الذي أمر باالعتصام به، وأن الكتاب والسنة أصلان ثابتان محفوظان لا عدول عنهما، ولا هدي إلا منهما وبهما، والعصمة والنجاة لمن تمسك بهما واعتصم بحبلهما، وهما البرهان الواضح والفرقان اللائح بين المحق إذا اقتفاهما، والمبطل إذا جفاهما.
21 التقديم | الملك عبد العزيز آل سعود (رحمه الله) وتوحيد إمامة المصلين في الحرمين الشريفين
فإن أمة الإسلام أمة مرحومة، يحمل بعضهم بعضًا، ويجبر بعضهم كسر بعض، داخلون -بفضل الله ورحمته- الجنة من أبوابها كلها، فمنهم من يدخل من باب واحد، ومنهم من يدخل من بابين، ومنهم من يدخل من الأبواب كلها، ولئن تنوعت منازلهم ومقاماتهم، فإنهم متحدون في منهجهم ومقصدهم، منهم الولاة المصلحون، ومنهم العلماء والدعاة، ومنهم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، ومنهم العامة المستقيمون على طاعة الله ورسوله، يؤدون حقوق الأمة كما أمر بها الشرع، ومن ثبت له اسم الإسلام والإيمان ثبتت له الحقوق، ومن الشواهد على ذلك التكوين والتكامل هذا الكيان والنسيج الذي أسسه جلالة الملك الصالح المؤسس الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل -رحمه الله- ودرج عليه أبناؤه الملوك من بعده -رحمهم الله- واستمر ذلك إلى هذا العهد الميمون، عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله.
الملك عبد العزيز آل سعود (رحمه الله) وتوحيد إمامة المصلين في الحرمين الشريفين | التقديم 22
وتاريخ هذه الدولة المباركة فيه من الأحداث والمواقف ما يرسم هذا البعد نحو السعي إلى وحدة الصف، وهذه الشواهد التاريخية حرية بالدارسة والتحليل والإبراز، ومن تلك الدراسات القيمة العميقة التحليلية ما قام به صاحب السمو الملكي الأمير د. فيصل بن مشعل بن سعود بن عبد العزيز، أمير منطقة القصيم -حفظه الله- في كتابه المعنون بـ (الملك عبد العزيز آل سعود وتوحيد إمامة المصلين في الحرمين الشريفين)، وفي هذه الدراسة، يتجلى للناظر محورية جمع الكلمة ووحدة الصف في سياسة الملك عبد العزيز، وبيان أن الدين هو أصل أصول الاجتماع، وهو النسيج الذي تتكامل به الجهود وتُدرك المسؤوليات، كما أن الانطلاق من المشتركات وتجاوز مواطن الاختلافات الاجتهادية هو الكفيل -بعد توفيق الله وتسديده- ببناء مجتمع متسامح ومتعايش وواع بالدور المنوط به. كما أن في هذه الدراسة مسلكًا علميًا يتعلق بدراسة المسائل العلمية من خلال المجريات العملية؛ فإن توثيق الآثار في إعمال بعض المسائل العلمية يُجلي طبيعة المقاصد المستهدفة من هذه المسائل، فعناية المؤسس الملك عبد العزيز -رحمه الله- بتوحيد إمامة المصلين في الحرمين الشريفين يوضح مدى قلقه -رحمه الله- من الاختلاف، وإدراكه لعظم آثار نتائج الائتلاف على المجتمع خصوصًا، وعلى المسلمين عمومًا. وقد أحسن الباحث سمو الأمير د. فيصل بن مشعل آل سعود -حفظه الله- بعرض ذلك في فصول تبرز تلك المرحلة، وتضمن جوانب تأصيلية وتحليلية يحتفي بها الفقيه والمؤرخ والسياسي، وبأسلوب سلس في الصياغة والعرض. نفع الله بهذا السفر المبارك، وجعله في ميزان حسنات راقمه، وأسأله تعالى أن يحفظ ولاتنا وعلماءنا وبلادنا من كل سوء وفتنة، وأن يبقيها متوحدة في صفها وكلمتها، وأن يجمع بها كلمة المسلمين. إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. صالح بن عبد الله بن حميد إمام وخطيب المسجد الحرام عضو هيئة كبار العلماء
23 التقديم | الملك عبد العزيز آل سعود (رحمه الله) وتوحيد إمامة المصلين في الحرمين الشريفين
الحمد لله، حمدًا لم يزَل مِدْرارًا وكافًّا، وأَشكره –سبحانه- على ترَادُف نعْمَائِه شكْرًا يتَوَالى أضْعَافًا، وأُصلِّي وأُسلِّم على نبيِّنا محمَّدٍ، عبد الله ورسوله، خير مَن ألَّف الأشْتاَت إيلافًا، صَلَّى الله وباَرك عليه، وعلى آله وصَحَابته الأُلَى كانوا في التوحيد والوحدة والتَّلاحم أحْلافًا، وعَن الشقاق والتَّنازُع صُدَّافًا، والتَّابعين، ومن تَبِعَهم بإحسان مِن المُقْتفِين أسْلافًا، وسَلِّم تسْلِيمًا عديدًا مديدًا إلى يوم الدِّين. أما بعد، فلقد عمَدت شريعَتُنا الغرَّاء إلى تحقيق أسْنَى المَقاصِد وأعظم المَصالح، وإن من عظيم محامدها: إدْلاجَها في استصلاح أحوال الناس في المعاش والمعاد، مستجلبة لهم أكبر المصالح والخيرات، وأعظم الهدايات والمبرَّات، وإن من المقاصد البديعة التي أوْلاها التشريع المنزلة السامية المنيعة، مقصد الوحدة والُأُلفة، والجماعة والتوادد وترك الفُرقة؛ إذ الوحدة الدينية والأخوَّة الإسلامية من الضرورات المحكَمات، والأصول المسلَّمات، كما هي من أسُس الأمن والاطمئنان، ودعائم ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُون الحضارة والعمران، بل هي معراج لبلوغ مرضاة الدَّيَّان، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْل اللَّه جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ وقال سبحانه: ، ] 10 : [الحجرات إِخْوَةٌ﴾ [الشورى: ﴿أَن أَقِيمُوا الدِّين وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ وقال أيضاً: ، ] 103 : [آل عمران قال الإمام البغوي، رحمه الله: "بعَث اللَّه الْأَْنبِيَاء كُلَّهُم بِإِقَامَة الدِّين وَالُأُْلْفَة . ] 13 وَالْجَمَاعَةِ، وَترْك الْفُرْقَة وَالْمُخَالَفَةِ". أيُّها القرَّاء الأماجد: ولتحقيق مقصد الوحدة والجماعة، وتوطيدها وتعزيزها، شرع الله الشرائع والأحكام كصلاة الجمعة والجماعة والعيدين والوقوف بعرفة وغيرها؛ يقول الشيخ منصور البهوتي -رحمه الله: "شُرع لهذه الأمَّة الاجتماع للعبادة في أوقات معلومة، فمنها ما هو في اليوم والليلة للمكتوبات، ومنها ما هو في الأسبوع وهو صلاة الجمعة، ومنها ما هو في السَّنة متكررًا وهو صلاة العيدين
الملك عبد العزيز آل سعود (رحمه الله) وتوحيد إمامة المصلين في الحرمين الشريفين | التقديم 24
لجماعة كل بلد، ومنها ما هو عام في السَّنة وهو الوقوف بعرفة؛ لأجل التواصل والتوادد وعدم التقاطع." قرَّاءَنا الأكارم: وإن مَن أنعْم النَّظر، في آفاق التَّاريخ العَافي والأمَم، واسْتقرَأ أحوال الأمَم، ومَا نَابَها مِن غِيَر الدُّثُور بعد الاستقرار والظُّهور، عَبْر الدُّهور، ألْفَى دون عَنَاء، وبِمَدِيد الجلاء، أن ما أصابهَا من التشرْذم أو الفَنَاء، والهَلَكة والانمِحَاء، إنَّما سَببُه قَاصِمَة دَهْيَاء، تلكم هي صِفَة التَّخالف والافترَاق، والتَّنَازُع والشِّقاق، التي ما زحَفَت أصْلالهَا في مجتمَع إلا مَزَّقته شذَر مَذَر، وأرْدتْه حديثًا لِمَن غَبَر. قرَّاءنا الأماثل: وحتى في الحرمين الشريفين قبل العهد السعودي المجيد أناخت صفة التخالف كَلْكَلَها بقدَر، بل وفي أعظم شعائر الدِّين، ألا وهي الصلاة؛ فقد كان المسلمون في المسجد الحرام يؤدُّون الصلوات الخمس خلف إمام واحد حتى أُحدِث فيه ما سُمِّي بالمقامات، وهي أربعة مقامات كانت على حافة المطاف في الجهات الأربع، يُنسب كل واحد منها إلى أحد الأئمة، فالمقَام الشَّافِعِي كان خلف مقَام إِبرَاهِيم عَلَيه السَّلاَم، والمقام الحنفي بَين الرُّكْن الشَّامي والغربي مِمَّا يلِي الْحطيم، والمقام المالكي بَين الرُّكْن الغربي واليماني، والمقام الحنبلي تجاه الحجر الأسود، فأصبحت الصلاة الواحدة في المسجد الحرام تقام أربع مرات، وينتصب لكل إقامة إمام مذهب من المذاهب الأربعة، ويُصلِّي أتباع كل مذهب وراء إمام مذهبهم، فيُصلِّي الشافعي، ثم الحنفي، ثم المالكي، ثم الحنبلي، هكذا في كل الصلوات ما عدا صلاة المغرب، يصلُّونها جميعًا في وقت واحدٍ؛ نظرًا لضيق الوقت، مما يؤدِّي إلى التداخل بين المصلين، فيسلِّم المصلِّي بسلام غير إمامِه، أو يركع بركوع غيره؛ مما تسبَّب في حصول الوسواس والسهو لكثير من المصلين. هذا وقد وصف الرحَّالة هـ 578 ابن جبير -رحمه الله- حال الناس في صلاة الجماعة في المسجد الحرام سنة قائلاً: "وللحرم أربعة أئمة سُنِّية، فأوّل الأئمة السُّنِّيَّة الشافعي، وإنما قدَّمنا ذكره، وهو أول من يصلي، وصلاته خلف مقام إبراهيم -صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا الكريم- إلا صلاة المغرب فإن الأربعة الأئمة يصلُّونها في وقت واحد مجتمعين لضيق وقتها. يبدأ مؤذِّن الشافعي بالإقامة، ثم يقيم مؤذِّنو سائر الأئمَّة، وربَّما دخَل
25 التقديم | الملك عبد العزيز آل سعود (رحمه الله) وتوحيد إمامة المصلين في الحرمين الشريفين
في هذه الصلاة على المصلين سهو وغفلة لاجتماع التكبير فيها من كل جهة، فربما ركع المالكي بركوع الشافعي أو الحنفي أو سلَّم أحدهم بغير سلام إمامه، فترى كل أذُن مصغية لصوت إمامها أو صوت مؤذنه مخافة السهو، ومع هذا فيحدث السهو على كثير من الناس." أيها الإخوة الأماثل: وهكذا ظلَّت المقامات في المسجد الحرام، حتى انتقلت ظاهرة انقسام جماعة المسجد في أداء الفرض الواحد إلى المسجد النبوي الشريف وبقيَّة الجوامع الكبيرة في العالم الإسلامي، كالجامع الأموي في الشام وجامع الأزهر في مصر، فتعدَّدت فيها الجماعة للصلاة الواحدة، وقد استمر الحال في الحرمين الشريفين على ما هي عليه حتى هيَّأ الله لهذه الأمَّة الإمام المؤسِّسَ، والحاكم الصالح العادلَ، الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -طيب الله ثراه. معشر القرَّاء الأماجد: وحينما رأى الملك المؤسِّس هذا المشهد الذي تجلَّت فيه ملامح الافتراق والاختلاف بما يتنافى مع وحدة الأمَّة، في صلاتها التي هي أعظم شعائر الدين، وفي الحرمين الشريفين، اللذين هما مَهْوَى أفئدَة المُسْلِمِين، وَأطْهَر بِقَاع الأرْض إلى يوم الدِّين، ولا سيَّما أن ما يظهر فيهما من أُلفة ومحبَّة، أو شقاق وفرقة، سينعكس أثره -بلا شك - على الأمَّة الإسلامية إيجابًا أو سلبًا، حينها أدرك المؤسِّس هذه الآثار السَّلبية المترتبة عن تلك المقامات المحدَثة في الحرمين الشريفين، وما تؤول إليه من تفريق وحدة الأمَّة، وحدوث الشقاق بين أفرادها، وتأجيج التعصُّب المذهبي، فاستنكر –رحمه الله- هذا الوضع، وقرَّر أنَّه لَن يَصد تيَّار هاتيك التَّشتت وأتِيَّه، ولَن يُقوِّم مُعوَجَّه وعَصِيَّه، إلا اجتماع المصلِّين في الحرمين الشريفين على إمام واحد، وإزالة هذه المقامات المحدَثة، فوجَّه العلماء بعقد اجتماع لبحث أصل مقامات المسجد الحرام، وحكم انقسام جماعته لجماعات متفرِّقة، وأن يضعوا توصياتهم عن طريق توحيد جماعة المسجد الحرام بما يحقِّق المصلحة العليا للمسلمين، هذا وقد اجتمع في العشرين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وأربعين وثلاثمئة وألف للهجرة، فريقان من العلماء، يمثِّل أحدهما علماء الحجاز، ويمثل الآخر علماء نجد، واتفق الجميع بعد التباحث على أن تكون صلاة الجماعة التي تقام في المسجد جماعة واحدة أيًّا كان مذهب الإمام، وانتُخِب من كل مذهب ثلاثة أئمة،
الملك عبد العزيز آل سعود (رحمه الله) وتوحيد إمامة المصلين في الحرمين الشريفين | التقديم 26
ومن الحنابلة إمامان، يتناوبون في أوقات الصلوات الخمس: فكان من الحنابلة: الشيخ عبد الظاهر أبو السمح، والشيخ حمد الخطيب، ومن الشافعية: الشيخ عبد الرحمن الزواوي، والشيخ محمد علي خوقير، والشيخ عمر فقي، ومن الحنفية: الشيخ عباس عبد الجبار، والشيخ عبد الملك مرداد، والشيخ جمال مراد، ومن المالكية: الشيخ أمين فوده، والشيخ عبد الله حمودة، وغيرهم. ورُفع الأمر إلى الملك عبد العزيز -رحمه الله، فأصدر موافقته الكريمة على هذا الترتيب، وجرى العمل بموجبه، وأصبحت الجماعة واحدة في المسجد الحرام، تصلِّي خلف إمام واحد في صفوف مستوية كالبنيان يشد بعضه بعضًا. معشر القرَّاء الكرام: وبهذا التوحيد العلمي، أبطل الملك عبد العزيز -رحمه الله- وقضى على بدعة تعدُّد الأئمَّة في صلاة الجماعة في الحرمين الشريفين، وطُويت بذلك صفحة سلبية ظلَّت قرونًا علامة بارزة على الفرقة والشتات في تلك الحقبة من الزمن، ولا غرو في ذلك؛ فالوحدة وجمع الكلمة هي منهجه الذي أفصح عنه بقوله: "أنا مسلم، وأُحب جمع الكلمة وتوحيد الصفِّ، وليس هناك ما هو أحب إلي من تحقيق الوحدة"؛ فأردف -رحمه الله- أقوالَه بأالفعال ونِعِمَّا هي، كيف لا! وقد تحقَّقت –بفضل الله- من خلال هذا القرار الأثير وحدة المُسْلِمين وتلاحُمُهم، وترَابط أوَاخِيهِم وترَاحُمُهُم، فلم يقتصر أثر توحيد الإمامة على المسجد الحرام، بل انتقل الأمر إلى المسجد النبوي وباقي مساجد العالم الإسلامي، فاختفت ظاهرة انقسام جماعة المسجد من العالم الإسلامي إلى الأبد، وللَّه الحمد والمنَّة؛ ذلك أن الوحدة هي الشعيرة التي احْتفَى بِها الإسلام أيَّما احْتِفاء فوَطَّدَها، وعَزَّزَهَا ووتَّدها، قال جل وَاذْكُرُوا نِعْمَت اللَّه عَلَيْكُم إِذ ۚ ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْل اللَّه جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا جلاله: ؛ وذلك ] 103 : [آل عمران كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّف بَيْن قُلُوبِكُم فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِه إِخْوَانًاً﴾ لِمَا يَتَرتَّب عَن الاتحادِ، مِن المَحَبَّة والوِدَاد، واستئصال السخائم والأحقاد. معشر الأحبَّة الأكارم: ولقد انبرى الأمير الموفَّق، والحاكم المسدَّد، والإداري المميَّز، والأكاديمي المبدع، والأديب البارع، والمثقف المتألِّق، صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور/ فيصل بن مشعل بن سعود بن عبد العزيز آل سعود –حفظه الله- لتسليط الضوء على هذا الإنجاز الأثير لمؤسِّس هذه البلاد المباركة، من خلال هذا
27 التقديم | الملك عبد العزيز آل سعود (رحمه الله) وتوحيد إمامة المصلين في الحرمين الشريفين
المؤلَّف القيِّم النَّفيس، الموسوم بـ (الملك عبد العزيز آل سعود وتوحيد إمامة المصلِّين في الحرمين الشريفين)، وقد تضمَّن هذا الكتاب النافع الماتع، مقدِّمة رائقة، وثلاثة فصول وضَّاءة مشرقة، أمَّا الفصل الأول فعن اختلاف الأئمَّة وأنه رحمة، وأمَّا الفصل الثاني فعن الملك عبد العزيز مُوحِّد صفوف الأئمَّة في الحرمين الشريفين، وأمَّا الفصل الثالث فعن الأمَّة الإسلامية تُشيد بموحِّد جماعتها. وختامًا: نشكر الله تبارك وتعالى، ثم للقيادة الرشيدة، وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود –يحفظه الله- وسمو ولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود -يحفظه الله- على عنايتهما الفائقة ورعايتهما الجليلة للحرمين الشريفين وقاصديهما، وشكر الله للمؤلِّف الكريم أميرنا الغالي صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور/ فيصل بن مشعل بن سعود بن عبد العزيز آل سعود –حفظه الله- على جهوده العلمية والمعرفية الموفَّقة، وعلى حسن ظنِّه بمحبِّه في المشاركة في تقديم هذا الكتاب المميَّز، لا سيَّما أن الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النَّبوي هي الجهة المعنيَّة بشؤون الحرمين الشريفين والإِشراف عليهما، ونسأله سبحانه أن ينفع بهذا الكتاب وبمؤلِّفِه، ويبارك في جهوده، ويحقِّق بما ارتجى من كتابه قصودَه، وأن يُعظم لي وله وللقارئ الكريم الأجر والثواب. كما نسأله سبحانه وتعالى أن يجزي ولاة أمرنا الميامين خير الجزاء كِفاء ما قدَّموا للإسلام والمسلمين، وما أوْلَوا للحرمين الشريفين، ورحم الله مؤسِّس هذه البلاد الملك عبد العزيز آل سعود وأبناءه البررة من الملوك السابقين، وأسكنهم فسيح جِنانِه، وأن يجزي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود –يحفظه الله- خير الجزاء؛ كِفاء ما قدَّم للإسلام والمسلمين، وما يبذله للحرمين الشريفين ويقدِّمه في رعايتهما وخدمة قاصديهما: إعمارًا وتطهيرًا، وتوسعة وصيانة وتطويرًا، وأن يمتِّع الإسلام والمسلمين بطول بقائه، وأن يُديم في سماء المجد ارتقاءه، ويسبغ عليه لباس الصحة والعافية، ويمد في عمره وصالح أعماله، وأن يشد أزره بولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود -يحفظه الله- وأن يحفظ بلادَنا بلاد الحرمين الشريفين
الملك عبد العزيز آل سعود (رحمه الله) وتوحيد إمامة المصلين في الحرمين الشريفين | التقديم 28
-دُرَّة الأمصار وشامة الأقطار- من كل سوء ومكروه، ويزيدها أَمْنًا وإيمانًا، وسلامًا واستقرارًا، ويجعَلَها سخاء رخاءً، ويحفظ عليها عقيدتها وقيادتها وأمنهَا ورخاءها، وسائر بلاد المسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
كتبه: عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي إمام وخطيب المسجد الحرام
29 التقديم | الملك عبد العزيز آل سعود (رحمه الله) وتوحيد إمامة المصلين في الحرمين الشريفين
الفصل الأول: اختلاف الأئمة .. رحمة
على الرغم من ورود الاختلاف بين العلماء الشرعيين في الأعراف الفقهية، بل والاتفاق عليه فيما بين الراسخين من أهل العلم، وفق نصوص أثرت عنهم -رحمهم ) يقول: "والوجه 213 : الله جميعًا- فهذا الإمام البخاري في (القراءة خلف الإمام، ص الثالث إذا ثبت الخبر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه فليس في الأسود ونحوه حجة". )1( وهذا الإمام مالك يقول: "كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر" ) يقول: "حدثنا محمد بن أحمد بن 300 : ص 3 : وهذا أبو نعيم في حلية الأولياء (ج موسى العدوي، حدثنا إسماعيل بن سعيد ينوي، أخبرنا سفيان عن عبد الكريم عن مجاهد قال: "ليس أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم."
((( المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة، محمد بن عبد الرحمن السخاوي )327( ، شمس الدين عبد الله محمد الصديق الغماري - عبد الوهاب عبد اللطيف
33 الفصل الأول | اختلاف الأئمة .. رحمة
) يقول: "أخبرنا أبو بكر بن 107 : ص 1 : وهذا البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (ج الحارث، أخبرنا أبو محمد بن حيان، حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، حدثنا عبد الجبار، حدثنا سفر عن عبد الكريم، عن مجاهد قال: "ليس أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك من قوله إلا النبي صلى الله عليه وسلم." ) يقول: حدثنا أحمد بن عمرو البزار، 339 : ص 11 وهذا الطبراني في المعجم الكبير (جـ حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا أبو عبيدة الحداد، عن مالك بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- رفعه، قال: "ليس أحد إلا يؤخذ من قوله، ويدع، غير النبي -صلى الله عليه وسلم-". إلا أن هذا الإقرار بمشروعية الخلاف بين العلماء لم يمنع بعض المتشددين أن يعمدوا إلى فرض وجهة نظر واحدة ورأي واحد ولو بقوة السيف، قديمًا وحديثًا.
ولعل السبب في موقف بعض المتطرفين وتشددهم في تخطئة غيرهم من أهل المذاهب، بل تأثيمهم، اعتقاد هؤلاء أنه لا مجال لاختلاف العلماء إذا توفرت لديهم النصوص، وكأن سبب الاختلاف محصور عندهم في ثبوت النص وعدم ثبوته، فإذا
اختلاف الأئمة .. رحمة | الفصل الأول 34
توفرت النصوص لدى الجميع بسبب من الأسباب، كتدوين السنة في الصحاح مثلاً، وتمييز صحيحها عن ضعيفها، كان لازمًا أن يذهب هذا الاختلاف، وتزول آثاره بين العلماء، وتعود الآراء المتعددة رأيًا واحدًا لا خلاف فيه. وكثيرًا ما أدت هذه النظرة السطحية الخاطئة لمسألة اختلاف العلماء في الأحكام إلى مواقف مختلفة، جعلت بعض الناس ينوء بها فيعرض عنها، وجعلت صنفًا آخر منهم يتهجم عليها ويحاربها. ولو رجع هؤلاء إلى ما بينه الأئمة والعلماء من أسباب الاختلاف، لعلموا أن ما ظنوه السبب الأصلي الوحيد في الاختلاف -وهو عدم وصول النص إلى المختلفين- ما هو إلا سبب واحد يسير من الأسباب العديدة التي أدت إلى تنوع هذه الآراء واختلافها، واختلاف الاستنباط بسببها. وتبعًا لتعدد الأسباب وتداخلها، اختلف العلماء في بيان أسباب الاختلاف إلى مجمل فيها، ومفصل لها، جمعها الدكتور محمد أبو الفتح البيانوني في أربعة أسباب : )2( إجمالية، هي : الاختلاف في ثبوت النص وعدم ثبوته فهناك وصول النص إلى هذا الإمام وعدم وصوله إلى غيره، وهناك ثبوته عند هذا وعدم ثبوته عند غيره، وذلك تبعًا للاختلاف في توثيق الرجال والرواة وتضعيفهم، أو تبعًا إلى شذوذ في المتن أو في السند بالنسبة إلى متن آخر أو سند آخر، إلى غير ذلك مما يتصل بهذا السبب. : الاختلاف في فهم النص وهناك بعد ذلك كله -على فرض الاتفاق على ما سبق، واستواء الحكم على النص عند الجميع- الاختلاف في فهم النص الثابت، سواء في ذلك، الاختلاف الذي يعود إلى نوعية النص، وغير ذلك مما يقتضيه النظر في سند الحكم من حيث الثبوت
بتصرف 39 - 37 ((( دراسات في الاختلافات العلمية، د. محمد أبو الفتح البيانوني، ص
35 الفصل الأول | اختلاف الأئمة .. رحمة
والاستدلال والتعليل، ككونه مشتركًا لفظه بين معان كثيرة، أو مجملا لم يبين معناه، ولم يتضح المراد منه للمجتهد، أو جاء على سبيل الحقيقة، أو المجاز إلى غير ذلك مما يعرفه أهل اللغة والبيان، وسواء في ذلك الاختلاف الذي يعود إلى اختلاف القدرات والإمكانات في الفهم عند المجتهدين، أو غير ذلك مما يقتضيه النظر في سند الحكم من حيث الثبوت والاستدلال والتعليل. : الاختلاف في طرق الجمع والترجيح بين النصوص المتعارضة وعلى فرض الاتفاق بين العلماء على ثبوت النص وفهمه، يعترض أمر آخر وهو: سلامة هذا النص من معارض راجح في الظاهر من النصوص الأخرى، وهنا يحصل الاختلاف في طرق الجمع بين النصوص، أو ترجيح بعضها على بعض، ولا ننسى هنا ما للفهم من أثر كبير في هذه المرحلة. وهناك من ينظر إليها نظرة عدم التعارض فيعمد إلى الترجيح، وليس فهم أحدهم بحجة على فهم الآخر، ولا بملزم له أن يقول بقول غيره. : الاختلاف في القواعد الأصولية وبعض مصادر الاستنباط ويعني بذلك الاختلاف في حجية المصدر الذي تستنبط منه الأحكام، فلكل إمام قواعد وشروط في قبول الحديث ورده، ولكل وجهته ومنهجه في الاستنباط. وهناك من ينظر إلى فعل الصحابي مثلا أو فتواه، نظرته إلى النصوص الشرعية، فيعتبرها حجة قوية، وهناك من يخالفه في ذلك. هناك من يعتبر عمل أهل المدينة حجة شرعية، يقدمها على غيرها من النصوص. وهناك من ينظر إلى عمل الراوي بخلاف ما رواه، نظرة يخالفه فيها الآخرون. وهناك من يرى أن مقتضى النهي الفساد، ويخالفه في ذلك غيره، إلى غير ذلك مما هو مبسوط في محله من كتب الأصول. ومما تجدر الإشارة إليه هنا: أن كثيرًا ما نجد هذه الأسباب الأربعة للاختلاف متداخلة في بعض المسائل، لا ينفك سبب منها أحيانًا عن الأسباب الأخرى؛ لأن مما يؤثر في فهم المجتهد واستنباطه منهجه وطريقته فيه، كما يؤثر فيه أيضًا ذلك المصدر الذي يعتمد عليه، ويستنبط منه.
اختلاف الأئمة .. رحمة | الفصل الأول 36
ولهذا ضاقت دائرة الاختلاف بين العلماء الذين تقاربت أصولهم ومناهجهم، واتسعت دائرته بين المجتهدين الآخرين، كما هو واضح في اجتهاد المجتهدين المطلقين، والمجتهدين المتقيدين بمذهب من المذاهب. ويدعو د. البيانوني إلى عدم الالتفات إلى دعاوى توحيد المذاهب والآراء في مذهب واحد؛ لمخالفتها واقع اجتهاد يفرض نفسه. ولم يفرط كثير من المتشددين على مدار تاريخ الفقه الإسلامي في حظوظهم من غرس بذور العداء للمخالف، على الرغم من تصالح الأئمة وهم أصل الخلاف مع الفكرة، وتقبل كل منهم فكرة الخلاف، وتفهمه أسبابها، لكن التشدد قال كلمته، وكبد الأمة كثيرًا من الخسائر. ويسجل العصر العباسي إرهاصات الخلافات الفقهية في التاريخ الإسلامي، إذ ضعفت الخلافة العباسية، وكانت تتدرج نحو الهاوية نتيجة الصراع بين دولة بني بويه الباطنية، ودولة السلاجقة السنية، وانتهى الصراع بانتصار السلاجقة ودخولهم بغداد وبسطهم سلطانهم على العراق، وكان ذلك بقيادة مؤسس دولتهم ركن الدين أبي طالب، المعروف بطغرل بك، الذي مثل أمام الخليفة العباسي القائم بأمر الله فمنحه لقب السلطان. وأصبحت السلطة الفعلية في يد السلاجقة، واقتصر أمر الخلافة العباسية على . )3( السلطة الروحية أو الظاهرية الشكلية
وما بعدها، دار الفكر، دمشق. 25 ، ((( سيرة الغزالي، عبد الكريم عثمان
37 الفصل الأول | اختلاف الأئمة .. رحمة
الفصل الثاني: الملك عبد العزيز .. موحد صفوف الأمة في الحرمين الشريفين
عن أبي الدّرداء قال: سمعت رسول الل ّه -صلى الله عليه وسلم- يقول: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصّلاة إلا قد استحوذ عليهم الشّيطان، فعليك . قال زائدة: قال السّائب: يعني بالجماعة )4( بالجماعة، فإنمّا يأكل الذّئب القاصية) الصّلاة في الجماعة. حذرت السّنّة النبوية المشرفة من الفرقة، ودعت للوحدة والمحبة والأخوة، ونبذ الفُرقة والبغضاء والمشاحنة؛ فالنصوص الواردة في هذا المعنى تكاد لا تخرج عن أي نص نبوي صريح صحيح، قال -صلى الله عليه وسلم: (أوصيكم بأصحابي، ثم الّذين يلونهم، ثم الّذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرّجل ولا يستحلف، ويشهد الشّاهد ولا يستشهد، ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشّيطان، عليكم بالجماعة وإيَّاكم والفرقة؛ فإن الشّيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد
.150 ،1 ،460 ((( سنن أبي داود، كتاب الصلاة، برقم
41 الفصل الثاني | الملك عبد العزيز .. موحد صفوف الأمة في الحرمين الشريفين
، وقال: (من فارق )6( . وقال: (يد اللّه مع الجماعة) )5( بحبوحة الجنَّة فليلزم الجماعة) . )7( الجماعة شبرًا فمات فميتة جاهليَّةٌ) يُضاف إلى ذلك، حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على ربط الشعائر الدينية، كالمعاملات والعبادات، بتقوية الجماعة، وأبرزها الصلاة، فنادى النبي -صلى الله عليه وسلم- للاجتماع لها، بل وتسوية الصفوف.
ولقد أنقذ المؤسس الملك عبد العزيز الأمة الإسلامية من مشهد فرقة يتنافى مع وحدة صف الأمة، وكانت تتجلى فيه ملامح الفرقة والتشرذم إلى ما يبعث على الرثاء لحالها، بعدما نالت الخلافة المذهبية الكثير من تماسكها ووحدتها وتآلفها،
.2166 ((( سنن الترمذي، كتاب الفتن، برقم .2092 ((( سنن الترمذي، كتاب الفتن، برقم ،3438 ، ومسلم في كتاب الإمارة برقم 6531 ((( متفق عليه: البخاري في كتاب الفتن برقم واللفظ لمسلم.
الملك عبد العزيز .. موحد صفوف الأمة في الحرمين الشريفين | الفصل الثاني 42
فلم تعد صفًا واحدًا، ولا جماعة واحدةً، تقف في صلاتها في الحرمين الشريفين ممزقة مشرذمة، كل مذهب يصلي في جماعة منفصلةٍ، وكأنهم من أديان متعددة، وليسوا من دين واحد، ويعبدون إلهًا واحدًا، ولهم نبي واحد. ولقد آذى هذا المشهد كثيرًا الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، فاستنكره بفطرته النقية، وبعقيدة الإسلام الصافية التي تلقاها على أيدي علماء الدعوة الإصلاحية في نجد منذ صغره، فأخذ على عاتقه توحيد صف الأمة -طيب الله ثراه- في مكان من أهم مواقف التاريخ للأمة الإسلامية، التي عادت، على يد المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، إلى أحسن حال لوحدة دينية في جماعة واحدة وخلف إمام واحد، حتى وإن كانت مختلفة في مذاهبها، فهي تبقى خلافات في الفروع، في حين أن أصل المعتقد واحد، ألا وهو التوحيد. قبل توحيد المملكة بست سنوات، أمر المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود بتوحيد جماعة المصلين في الحرم المكي خلف إمام واحد، وإلغاء المقامات الأربعة ومنع تعدد الأئمة للفرض الواحد، فبخطوة ظهرت رغبة المؤسس وحرصه على توحيد البلاد من جميع النواحي، بل توحيد الأمة الإسلامية؛ لأن الصلاة في الحرمين الشريفين تجتمع لها الأمة من جميع أقطارها. وكانت هذه المقامات منصوبة في صحن الحرم المكي لعدة قرون، يشكل كل منها منبرًا ومحرابًا لإمام يتبع مذهبًا فقهيًا مختلفًا عن الآخر، وكانت خمسة مقامات قديمًا هي: المقام الشافعي، والمقام الحنبلي، والمقام الحنفي، والمقام المالكي، م. 1325/ هـ 726 بالإضافة إلى المقام الزيدي الذي أُزيل في ولم يجمع المؤرخون بشكل قاطع على السنة التي ظهرت فيها هذه المقامات لأول مرة، بيد أن الدكتور صالح معتوق رجح في كتابه "علم الحديث في مكة المكرمة" أن م، وبرر ذلك بأن ناصر خسرو 1103/ هـ 497 م، و 1050/442 بداية ظهورها كانت بين سنتي م لم يذكر وجود أي منها، بينما ذكر الفاسي في شفاء 1050/ هـ 442 عندما حج سنة م. 1103/ هـ 497 الغرام أن مقامات الحنفية والمالكية والزيدية كانت موجودة في سنة
43 الفصل الثاني | الملك عبد العزيز .. موحد صفوف الأمة في الحرمين الشريفين
-84 م عند مروره بمكة (رحلته/ ص 1182/ هـ 578 وتكلّم الرحّالة ابن جبير في رحلته سنة ) عن وجود أربعة أئمة سنيّة للحرم، فأوّلهم إمامة الشافعي، وذكر الحافظ 85 ) أن الإمام الشافعي 141 م في (معجم السفر، ص 1180/ هـ 576 السَّلفي المتوفّى سنة كان إمام مقام إبراهيم، وأوّل من يصلّي من أئمة الحرم، ويصلي خلف مقام إبراهيم، ثم المالكي ويصلي قِبالة الركن اليماني، ثم الحنفي ويصلّي قِبالة الميزاب، ثم الحنبلي وصلاته مع المالكي في حين واحدٍ، وموضع صلاته يقابل ما بين الحجر الأسود والركن اليماني. وقال: "إلا صلاة المغرب فإن الأربعة الأئمة يصلّونها في وقت واحد مجتمعين لضيق وقتها، يبدأ مؤذّن الشافعي بالإقامة، ثم يقيم مؤذّنو سائر الأئمة، وربما دخل في هذه الصلاة على المصلّين سهو وغفلة لاجتماع التكبير فيها من كل جهة، فربّما ركع المالكي بركوع الشافعي أو الحنفي، أو سلّم أحدهم بغير سلام إمامه، فترى كل أذن مصغية لصوت إمامها أو صوت مؤذّنه مخافة السهو، ومع هذا فيحدث السهو على كثير من الناس". -25 قال الدكتور (صالح معتوق) في كتابه "علم الحديث في مكة المكرمة" (ص ): ولم تُعرَف السنة التي أُحدِثَت فيها هذه المقامات، وتعدّدت فيها الجماعات 26 بعد أن كان الناس يصلّون جماعة واحدة وراء إمام واحد، والذي ظهر لصاحب تاريخ عمارة المسجد الحرام (حسين باسلامة) بعد البحث والتنقيب أنها أُحدِثَت في القرن هـ، 328 الرابع أو القرن الخامس؛ لأن ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد المتوفّى سنة لم يذكر هذه المقامات عندما وصف المسجد الحرام، وذكرها ابن جبير في رحلته م، وقد وافقه على ذلك الأستاذ أحمد السباعي -رحمه الله- في 1182/ هـ 578 سنة "تاريخ مكة". م، 1050/442 ورجّح الدكتور صالح أن بداية حدوث هذه المقامات كانت بين سنتي م لم يذكر هذه المقامات، 1050/ هـ 442 م؛ لأن ناصر خسرو عندما حج سنة 1103/ هـ 497 و وذكر الفاسي في شفاء الغرام أن مقامات الحنفية والمالكية والزيدية كانت موجودة م. 1103/ هـ 497 في سنة وقال الدكتور حسن سفر، الأستاذ بقسم الدراسات الإسلامية بجامعة الملك
الملك عبد العزيز .. موحد صفوف الأمة في الحرمين الشريفين | الفصل الثاني 44
عبد العزيز، أن من أوائل ما فطن له الملك المؤسس بعد مبايعته ملكًا على الحجاز كان ضرورة توحيد المذهب الفقهي للبلاد، كي يزيد في لحمة المواطنين وتوحيد كلمتهم، فوجه العلماء بسرعة الشروع في عمل مجلة للأحكام العدلية لتكون مسطرة الأحكام في محكمة مكة المكرمة في ذلك الوقت، فاستجاب الشيخ أحمد القارئ وأنجز "مجلة الأحكام الشرعية"، فكان ذلك مدخلا لتوحيد الناس لاحقًا في جماعة واحدة للصلاة في الحرم خلف إمام واحد، بدلا من تعدد الأئمة في الفرض الواحد وتفرق الناس بين المقامات. وحول ترتيب أداء الفرض بينهم، ذكر الدكتور فوزي ساعاتي، عضو هيئة تدريس بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، في دراسة له بعنوان "المقامات الأربعة في المسجد الحرام" أن الناس كانوا يؤدون الصلاة خلف إمام واحد، هو إمام مقام إبراهيم -عليه السلام- الذي أصبح يقابله فيما بعد مقام الشافعية، قبل إحداث المقامات، فلما أحدثت أصبحت الصلاة الواحدة تقام أربع مرات، وينتصب لكل إقامة إمام مذهب من المذاهب الأربعة، ويصلي أتباع كل مذهب على الأغلب وراء إمام مذهبهم، فيصلي الشافعي، ثم الحنفي، ثم المالكي، ثم الحنبلي، في كل الصلوات ما عدا المغرب، يصلونه جميعًا في وقت واحد نظرًا لضيق الوقت، مما يؤدي إلى التداخل بين المصلين، فيسلم المصلي بسلام غير إمامه أو يركع بركوع غيره، ويحصل الوسواس والسهو للكثيرين. ويذكر المؤرخون أن بداية الأمر كانت فيها سعة؛ لأن المصلي إن فاتته الجماعة الأولى أدرك غيرها مع أي مذهب كان، ثم لوحظ أن بعضًا من الناس يكون في المسجد الحرام والصلاة قائمة، فلا يصلي مع المصلين متعللا بانتظار إمام مذهبه ليصلي خلفه، وأخذ عدد المتخلفين عن الصلاة تعصبًا للمذهب يكثر ويزيد، حتى وصل إلى مرحلة خطرة يصفها الشيخ الألباني بقوله في كتابه "أصل صفة الصلاة" "كانت هذه المسألة وأمثالها مثار فتن عظيمة بين الحنفية والشافعية، حتى لقد دفعتهم إلى وضع القاعدة المشهورة عند الفريقين: تكره الصلاة وراء المخالف في المذهب، وهي كراهة تحريم عند علمائنا -يقصد الأحناف- ولا تزال آثار هذه القاعدة بادية في مساجدنا، ففيها المحاريب الأربعة، وترى فيها ناسًا يصلون مع الإمام،
45 الفصل الثاني | الملك عبد العزيز .. موحد صفوف الأمة في الحرمين الشريفين
وآخرين ينتظرون إمام مذهبهم، حتى لقد قلت مرة لبعض هؤلاء: حي على الصلاة، فإنها أقيمت، فكان جوابه أن قال: إنها لم تقم لنا، إنها للشافعية." م) 1990/ هـ 1420 أمّا عن الحرم المدني، فينقل الشيخ عطيّة سالم -رحمه الله- (ت )" عند كلامه على 74 في كتابه "التراويح، أكثر من ألف عام في مسجد النبي (ص القرن الثاني عشر الهجري من رحلة الشيخ النابلسي قوله: "للحرم الشريف خمسة عشر إمامًا منهم الحنفيّون ومنهم الشافعيّون، وله واحد وعشرون خطيبًا، منهم اثنا عشر خطيبًا حنفيّون، وثمانية خطباء شافعيّون، وخطيب واحد مالكي، فأالئمة يصلّون بالنوبة في كل يوم إمام واحد من الحنفيّة وإمام من الشافعية، فيبتدئون من الظهر إلى الصبح، والإمام الشافعي يصلّي أولاً، ثم الإمام الحنفي، إلا في المغرب، فيتقدّم الحنفي لكراهة تأخير المغرب عنده، ويصلّي الإمام الحنفي يومًا في محراب النبي الذي في الروضة الشريفة، فيصلّي الإمام الشافعي ذلك اليوم في المحراب الذي هو خلف المنبر، ثم في ثاني يوم يصلّي الإمام الشافعي كذلك، ويصلّي الحنفي مثلما صلّى هو أول يوم". ) "وقد زال هذا التعدّد بوجود العهد السعودي، وأمّا 88 وقال الشيخ عطيّة (ص وجوده فكان طارئًا على المدينة، لم يحدث إلا بعد القرن السابع، وكانت المدينة طيلة سبعة قرون تصلّي الصلوات كلّها بإمام واحد ولا تتعدّد فيها الجماعة لفريضة واحدة، بل إن مالكًا -رحمه الله- وهو إمام دار الهجرة ممن يكره تعدّد الجماعة في المسجد الواحد للفريضة الواحدة، ثم تعدّدت الأئمة في الصلوات الخمس، ثم جاء العهد السعودي فتوحّدت فيه الجماعة في المسجد النبوي وفي المسجد الحرام للصلوات الخمس وللتراويح، وعادت فيه حالة الإمامة إلى أصلها موحّدة منتظمة". ) "والجدير بالذكر أن من أعظم نعم الله على الأمّة أن تتوحّد في الصلوات 90 وقال (ص كلّها في جماعة واحدة وعلى إمام واحدٍ، أيًّا كان مذهبه من المذاهب الأربعة التي لم تخرج عن كتاب الله وسنّة رسوله". وظل دور المقامات بوصفها محاريب للصلاة محل جدل بين العلماء من مجيز ومنكر منذ بدأ تعداد صلاة الفرض الواحد بينها، لتسهم بذلك في زيادة الفرقة
الملك عبد العزيز .. موحد صفوف الأمة في الحرمين الشريفين | الفصل الثاني 46
وتأجيج الصراع والتعصب المذهبي بين علماء المسلمين وعوامهم، دون أن يتخذ أي حاكم ممن ولي أمر الحجاز وقتها على مدى تاريخه قرارًا حاسمًا حولها، لتنتقل ظاهرة انقسام جماعة المسجد في أداء الفرض الواحد إلى المسجد النبوي الشريف وبقية الجوامع الكبيرة في العالم الإسلامي، كالجامع الأموي في الشام، والجامع الأزهر في مصر، فتعددت فيها الجماعة للصلاة الواحدة، مما يؤكد الدور الريادي الذي يمثله المسجد الحرام للعالم الإسلامي. واستمرت الحال على ما هي عليه حتى بويع الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن ملكًا على م، 1935/ هـ 1354 - م 1925/ هـ 1344 الحجاز، ليشهد عهده حملتي ترميم وإصلاح عامي بالإضافة إلى "مشروع التوسعة السعودية الأولى" وكان الانتهاء من تنفيذه في عهد الملك سعود، ثم ألحقها بتوجيهات للعلماء بعقد اجتماع لبحث أصل مقامات المسجد وحكم انقسام جماعته لجماعات متفرقة، وأن يضعوا توصياتهم عن طريق توحيد جماعة المسجد بما يحقق المصلحة العليا للمسلمين؛ خوفًا من أن يُؤخر هذا الأمر وحدة البلاد التي كانت من أهم أهداف المؤسس للقضاء على ما يحدث من شقاق بين أهلها. )8( وحسم الأمر كما ذكر الشيخ حسين باسلامة في كتابه "تاريخ عمارة المسجد الحرام"
((( كتاب (تاريخ عمارة المسجد الحرام) يمكن وصفه بأنّه أول كتاب من نوعه، فهو يتحدث عن صفة المسجد الحرام قبل الإسلام، ثم يتحدث عن الزيادة الأولى التي أحدثها الخليفة الراشد أمير المؤمنين "عمر بن الخطاب"، ثم زيادة أمير المؤمنين "عثمان بن عفان"، فزيادة "عبد الله بن الزبير"، والزيادة الرابعة في عهد "الوليد بن عبد الملك"، فزيادة الخليفة العباسي "أبو جعفر المنصور"، ثم زيادة الخليفة "المهدي"، فزيادات الخلفاء العباسيين: "المعتضد" و"المقتدر"، موضحًا مقدار الزيادات التي زيدت فيها في المسجد الحرام، كما احتوى مؤلفه -رحمه الله- على معلومات مهمة عن الخطبة في المسجد الحرام، حيث كان الخلفاء الراشدون وولاة مكة يخطبون قيامًا على أقدامهم في المسجد تجاه الكعبة المعظمة، فلما ولي "معاوية بن أبي سفيان" الخلافة وكان جسيمًا وضع له منبر صغير ذو ثلاث درجات، قدم به من الشام لما قدم للحج، فكان هو أول من خطب على المنبر في المسجد الحرام، وقد بقي هذا المنبر يخطب عليه الخلفاء كلما قدموا للحج، كما يخطب عليه ولاة مكة إلى أن حج الخليفة "هارون الرشيد "، فخطب على منبر منقوش عظيم، له تسع درجات أهدي إليه من عامله على مصر "موسى بن عيسى"، فبقي هذا المنبر في مكة، ونقل منبر معاوية إلى عرفات، ثم أصبح الخلفاء والملوك يتنافسون في إنشاء المنابر العظيمة. ومما ورد في كتابه (تاريخ عمارة المسجد الحرام) ذكره للمقامات الأربعة، حيث إن هذه المقامات منسوبة إلى المذاهب الأربعة، فلقد كان الناس قبل العهد السعودي يصلون جماعات أربعة، بل كانوا يصلون 588 في بعض العهود خمس جماعات، بعد إضافة جماعة المذهب "الزيدي" كما وصفه "ابن جبير" في حج هـ، ويتابع المؤلف نقلا عن "ابن جبير" فأول المقامات من الأئمة للإمام "الشافعي"، وهو يصلي خلف مقام إبراهيم –عليه السلام-، ثم "المالكي" وهو يصلي قبالة الركن اليماني، ثم "الحنفي"، وصلاته مع صلاة
47 الفصل الثاني | الملك عبد العزيز .. موحد صفوف الأمة في الحرمين الشريفين
م، يُمثل أحدهما علماء الحجاز 1926/ هـ 1345 عندما اجتمع فريقان من العلماء عام ويُمثل الآخر علماء نجد، واتفق الجميع بعد التباحث على أن تكون صلاة الجماعة التي تقام في المسجد جماعة واحدة أيًّا كان مذهب الإمام، وانتخبوا من كل مذهب ثلاثة أئمة، اختاروا منهم إمامين يتناوبان في أوقات الصلوات الخمس، فكان من الحنابلة الشيخ عبد الظاهر أبو السمح والشيخ حمد الخطيب، ومن الشافعية الشيخ عبد الرحمن الزواوي والشيخ محمد علي خوقير والشيخ عمر فعي، ومن الحنفية الشيخ عباس عبد الجبار و الشيخ عبد الله بن مرداد، ومن المالكية الشيخ أمين فودة والشيخ عبد الله حمد وهو الشيخ عباس مالكي. ورُفع الأمر إلى الملك فأصدر موافقته على هذا الترتيب وجرى العمل بموجبه وأصبحت الجماعة واحدة في المسجد الحرام تصلي خلف إمام واحد في صفوف مستوية كالبنيان يشد بعضه بعضًا. وما إن توحدت جماعة الحرم خلف إمام واحد حتى انتقل الأمر إلى باقي مساجد العالم الإسلامي، فاختفت ظاهرة انقسام جماعة المسجد من العالم الإسلامي إلى الأبد -إن شاء الله- مشكّلة إنجازًا أيضًا بجانب الإنجازات الكثيرة للملك عبد العزيز بن عبد الرحمن مؤسس المملكة العربية السعودية. وساهم هذا القرار في استغلال كل المساحة الإجمالية للمسجد في وقت تصل فيه أعداد المصلين في الوقت الحاضر إلى أكثر من مليوني مصلٍّ، خصوصًا في أيام . )9( الجمع والأعياد والحج والليالي العشر الأواخر من رمضان
"المالكي" في حين واحد، ثم "الحنبلي"، وصلاته مع "المالكي" في حين واحد، وقد بذل الشيخ "باسلامة" جهدًا مضنيًا في كتابه (عمارة المسجد الحرام) حتى لقد تتبع عدد أساطين الرخام، والدعائم المبنية من الحجر الشمسي، والعقود المطوية، والقباب، وحتى القناديل التي كانت في عهده، وذكر عددها، وأنواعها، وفصل في خامات البناء، وقدّر المسافات، وبذل جهدًا جبارًا في وصفه لكل ما يحويه المسجد الحرام من بناء ومرافق. ((( توحيد الجماعة خلف إمام واحد في الحرم المكي أولى بوادر وحدة السعودية، تقرير منشور، 12720 العدد 2013 سبتمبر 25 هـ 1434 ذو القعـدة 20 صحيفة الشرق الأوسط ، الأربعاء
الملك عبد العزيز .. موحد صفوف الأمة في الحرمين الشريفين | الفصل الثاني 48
ويفصل د. فوزي ساعاتي الحديث في المقامات (المقصورات) بقوله: هي عبارة عن أربعة مقامات يُضاف لها مقام خامس وهو مقام الزيدية. وقد أزيل في سنة م، داخل حدود المطاف القديم من جهاته الأربع التي تتميز بأرضيتها 1325/ هـ 726 المفروشة بالحجر الصوان، وكل مقام عبارة عن مصلى لأتباع كل مذهب من المذاهب الأربعة. وعن توفيرها للظل، فقد كان لكل مقام مظلة خاصة، مما وفر مساحات من الظل للمصلي وكذا وقتهم من المطر، وأتاحت لهم أفضل سماع للأعداد الغفيرة لصوت الإمام؛ نظرًا لعدم توفر مكبرات للصوت في ذلك الزمن، وقد اختلِف في تاريخ إنشاء هذه المقامات، فقيل كان في حوالي منتصف القرن الخامس الهجري، وقيل كان في خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين، وقيل م، وكان قد سبقه في الإنشاء 1134/ هـ 529 كان أقدم ذكر للمقام الحنبلي في سنة المقام المالكي، وكان المقام الحنبلي موجودًا في عُشْر الأربعين وخمسمئة هجرية. وأما موقعها في المسجد الحرام فهي في القسم الثاني من صحن المطاف، ولكل مقام موقع خاص به. المقام الشافعي في جهة الشرق من المسجد الحرام، أمام الكعبة وخلف مقام إبراهيم -عليه السلام- وباب بني شيبة، وهو على مرتفع في أعلى قبة زمزم يصعد أمتار من 4 ) درجة من جهة المقام الحنبلي، ويشغل مساحة 11( إليه بدرج عددها مساحة سطح قبة بئر زمزم، ويستوعب عددًا أقل من خمسين مصليًا، ويبعد عن م)، وكان يرفع من فوقه الأذان من قبل رئيس المؤذنين. 15( الكعبة بحوالي المقام المالكي في جهة الغرب من المسجد الحرام مما يلي دبر الكعبة (أي من ناحية باب العمرة حاليًا) بين الركنين الغربي واليماني كان على مستوى سطح المطاف ومن دور واحد، مقام على أربعة أعمدة وحوله محاط بالحصى. المقام الحنفي في جهة شمال الكعبة والمسجد الحرام (أي من ناحية باب الزيادة)، أمام حِجر إسماعيل -عليه السلام- وميزاب الكعبة بين الركنين الشامي والعراقي مما يلي الحطيم، مقارب لحد صحن المطاف القديم من خلف الحطيم، ويتميز المقام الحنفي بكبر المساحة التي يشغلها عن المقام الشافعي، وبكبر مظلته الخارجة عن الدور الأول عن بقية المقامات وبأنه من دورين، وفوق الدور الأول مظلة
49 الفصل الثاني | الملك عبد العزيز .. موحد صفوف الأمة في الحرمين الشريفين
أمتار عرضًا بحيث 4 للمبلغين يصعد إليها بدرج، وكان المقام يشغل مساحة أكثر من ) مصليًا، ومن أعلاه يتم إبلاغ حركات الإمام للمصلين، ويقف 50( تستوعب حوالي عليها المنشدون (المؤذنون). المقام الحنبلي: في جهة الجنوب من المسجد الحرام (هو في ناحية المكبرية جهة باب الملك عبد العزيز آل سعود -رحمه الله- حاليًا ما بين الركنين)، مستقبلا الحجر م، فتمت إزالته وإعادة 1882/ هـ 1300 الأسود ومجاورًا لمبنى بئر زمزم لغاية سنة بنائه من دور واحد مستندًا على أربعة أعمدة، وعُدلت ناحيته بحيث يكون مقابلا للحجر الأسود، وعلى مستوى سطح صحن المطاف، وملاصقًا لحد الصحن، وحوله مفروش بالحصى، أي أن موقعه حاليًا بين الركنين، وكانت خلفه حصوة النساء. الصلاة في المقامات: كان الناس فيما قبل إحداثها يؤدون الصلاة خلف إمام واحد هو إمام مقام إبراهيم -عليه السلام- فلما أُحدثت أصبحت الصلاة الواحدة تقام أربع مرات، وينتصب لكل إقامة إمام مذهب من المذاهب الأربعة، ويصلي أتباع كل مذهب على الأغلب وراء إمام مذهبهم، فيصلي الشافعي، ثم الحنفي، ثم المالكي، ثم الحنبلي في الصلوات ما عدا المغرب، يصلونه جميعًا في وقت واحد نظرًا لضيق م حيث انفرد 1408/ هـ 811 الوقت، مما يؤدي إلى التداخل بين المصلين، ولغاية سنة م. 1413/4/2 - هـ 816/12/6 الشافعي بصلاة المغرب بالناس، واستمر هذا الأمر لغاية فرجع الأمر كما كان سابقًا من صلاة المغرب للأئمة الثلاثة غير الشافعي، وكذلك كانت تجتمع الأئمة الثلاثة ما عدا الشافعي على صلاة العشاء في رمضان في وقت م أن تكون 1926/ هـ 1344 واحد، وبقي الوضع على حاله إلى أن قرر العلماء في سنة الجماعة التي تقام بالمسجد الحرام جماعتين بإمامين في أوقات الصلوات الخمس ما عدا صلاة المغرب، حتى إذا لم يدرك الناس الصلاة مع الإمام الأول أدركوها مع الإمام الثاني، بغير تفريق بين الإمام المصلّي من أي مذهب كان، فيصلي إمام الحنابلة أول الوقت من كل صلاة، ويصلي بعده أئمة المذاهب الأخرى، وسار الوضع مدة، ولكن لوحظ أن بعضًا من الناس يكون في المسجد الحرام والصلاة قائمة فلا يصلي مع إخوانه المصلين، وحجته أنه ينتظر حتى يجيء الإمام الذي هو على نفس مذهبه،
الملك عبد العزيز .. موحد صفوف الأمة في الحرمين الشريفين | الفصل الثاني 50
وبالتالي يصلي خلفه، وقد ظل عدد المتخلفين يتكاثر، وأصبح ظاهرة لافتة ومقلقة، فأمر الملك عبد العزيز آل سعود -رحمه الله- بعقد اجتماع للعلماء، فقرروا أن تكون الجماعة التي تقام في المسجد الحرام جماعة واحدة، وأن ينتخب من كل مذهب ثلاثة أئمة، ومن الحنابلة إمامان يصلون بالتناوب في أوقات الصلوات الخمس، ولا يصلي في الوقت إلا إمام واحد، ولا يتخلف عن الصلاة خلف أي إمام من هؤلاء م وللأبد تعدد الجماعات في المسجد 1926/ هـ 1344 الأئمة، وبذلك انتهى في عام . )10( الحرام، وأصبحت جماعة واحدة لا فرق ولا تفريق وجاءت تعيينات الملك عبد العزيز لأئمة الحرم المكي وخطبائه على مرحلتين، وممن ذكر الأئمة والخطباء جملة منذ عصر الإسلام إلى عصرنا هذا الأستاذ يوسف الصبحي في كتابه الموسوم بـ (وسام الكرم في تراجم أئمة وخطباء الحرم عبر العصور)، ذكرهم حسب الترتيب الهجائي وحسب ما توصل إليه منهم، وهنا تم استخلاص أسماء المشايخ الأئمة والخطباء الذين عينهم الملك عبد العزيز وقسمت تعييناته إلى مرحلتين زمنيتين: هـ، وذلك 1345 هـ، وتنتهي عام 1343 من ضم الملك عبد العزيز للحجاز عام الأولى: بأمر الملك عبد العزيز بإلغاء المقامات الأربع (المذهبية) وتوحيد الصلاة جماعة واحدة خلف إمام واحد، وقد تعين في هذه الفترة كل مِن: 1 - م، وتعين 1882/ هـ 1300 عبد الرحمن بن محمد بن حمد بن داود، ولد بالرياض عام م ببلدة الخرمة. 1936/ هـ 1355 م، ت 1924/ هـ 1343 عام 2 - الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، ولد بالرياض م بالرياض، 1947/ هـ 1367 م، ت 1924/ هـ 1343 م وتعين عام 1865/ هـ 1282 عام وهو جد سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ متعه الله بالصحة والعافية.
(( المقامات الأربع في المسجد الحرام، بحث منشور، د. فوزي محمد ساعاتي، جامعة أم القرى. 1(
51 الفصل الثاني | الملك عبد العزيز .. موحد صفوف الأمة في الحرمين الشريفين
3 - هـ وصلى 1287 الشيخ عبد الله بن حسن بن حسين آل الشيخ، ولد بالرياض عام م بمكة، 1958/ هـ 1378 م وتوفي 1925/ هـ 1344 م ثم عين عام 1924/ هـ 1343 عام (رئيس القضاة في الحجاز). 4 - هـ/ 1345 م، وتعين عام 1849/ هـ 1266 الشيخ حمد بن محمد الخطيب، ولد بحائل عام م بمصر. 1927/ هـ 1346 م، ت 1926 5 - م، وتعين 1882/ هـ 1300 الشيخ عبد الظاهر بن محمد أبو السمح، ولد بمصر عام م بمصر. 1950/ هـ 1370 م، ت 1926/ هـ 1345 عام م 1926/ هـ 1345 تبدأ من إبطال المقامات وتوحيد الصلاة جماعة واحدة عام والثانية: م وقد تعين في 1953/ هـ 1373 وتنتهي بوفاة الملك عبد العزيز -رحمه الله- عام هذه الفترة كل من: 1 - م وصلى إمامًا 1908/ هـ 1326 الشيخ عبد الله بن عبد الغني خياط، ولد بمكة عام م واستمر حتى 1953/ هـ 1373 م ثم عين إمامًا وخطيبًا عام 1927/ هـ 1346 عام م بمكة. 1994/ هـ 1415 م، ت 1984/ هـ 1405 اعتذر عن الإمامة والخطابة عام 2 - م تعين في هذه 1890/ هـ 1308 الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، ولد بمصر عام م بمكة. 1972/ هـ 1392 الفترة إمامًا وخطيبًا مساعدًا، ت 3 - الشيخ عبد الله بن محمد الخليفي، ولد في البكيرية بمنطقة القصيم عام م ثم عين إمامًا وخطيبًا عام 1945/ هـ 1365 م وصلى إمامًا عام 1914/ هـ 1333 م بالطائف ودفن بمكة. 1993/ هـ 1414 م واستمر حتى توفي عام 1953/ هـ 1373 4 - م وتعين 1889/ هـ 1307 الشيخ عبد المهيمن بن محمد أبو السمح، ولد بمصر عام م، 1968/ هـ 1388 م واستمر في الإمامة والخطابة حتى عام 1949/ هـ 1369 عام م بمكة، وهو أخو الشيخ عبد الظاهر أبو السمح. 1978/ هـ 1399 ت 5 - الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن حسن بن حسين آل الشيخ، ولد في الرياض م بالرياض، رحم الله 1989/ هـ 1410 م، ت 1950/ هـ 1370 م، تعين عام 1917/ هـ 1336 عام الجميع وأسكنهم فسيح جنانه.
الملك عبد العزيز .. موحد صفوف الأمة في الحرمين الشريفين | الفصل الثاني 52
وقد تميزت تعيينات الملك عبد العزيز -رحمه الله- في المرحلة الأولى من تعييناته بمعرفته الشخصية للمشايخ الذين عُيِّنوا فيها، حيث عرفهم عن قرب بالعلم والصلاح والتقوى والورع والقوة على أداء الأمانة وتحمل المسؤولية، وقد شاركوا مع الملك عبد العزيز حين توحيد أرجاء البلاد بالنصح والتوجيه ونشر العقيدة السلفية، . )11( 1924/ هـ 1343 أما الشيخ أبو السمح فقد التقى بالملك عبد العزيز بمكة عام ولقد أثارت المقامات والمحاريب الأربعة في المسجد الحرام في القرن السادس الهجري ضجة كبيرة بين الفقهاء وقتئذ فمن مَانع ومن مجيز، وكان كثير من الفقهاء منكرين لذلك وناهين عنه؛ لأن ذلك مما يخالف الأصول العامة للشريعة، وقد كان في أول الأمر الأربعة الأئمة يصلون في وقت واحد، ثم لما أُنكِر هذا الأمر ممن أنكره صاروا يصلون الواحد تلو الآخر. وتتركز الخلفية الفقهية لهذا الأمر في مسألة حكم اقتداء المأموم بمخالف له في المذهب وذلك في حالتين: أن يعلم المأموم أن إمامه أتى بما يبطل الصلاة على مذهب المأموم. الأولى: ألا يعلم المأموم أن إمامه أتى بما يبطل الصلاة على مذهب المأموم. الثانية: : هذه المسائل لها صورتان: 317/2 قال ابن تيمية كما جاء في الفتاوى الكبرى إحداهما: ألا يعرف المأموم أن إمامه فعل ما يبطل الصلاة، فهنا يصلي المأموم خلفه باتفاق السلف، والأئمة الأربعة، وغيرهم. وليس في هذا خلاف متقدم، وإنما خالف بعض المتعصبين من المتأخرين: فزعم أن الصلاة خلف الحنفي لا تصح، وإن أتى بالواجبات؛ لأنه أداها وهو لا يعتقد وجوبها. الصورة الثانية: أن يتيقن المأموم أن الإمام فعل ما لا يسوغ عنده: مثل أن يمس
هـ إلى عام 1343 (( تعيينات الملك عبد العزيز -رحمه الله- لأئمة وخطباء الحرم المكي من عام 1( ذو الحجة 08 هـ، دراسة منشورة، أحمد بن عبد الله بن علي المسعود، صحيفة الجزيرة، الأحد 1373 .13926 العدد 1431
53 الفصل الثاني | الملك عبد العزيز .. موحد صفوف الأمة في الحرمين الشريفين
ذكره أو النساء لشهوة، أو يحتجم، أو يفتصد، أو يتقيأ ثم يصلي بلا وضوء، فهذه الصورة فيها نزاع مشهور: • فأحد القولين لا تصح صلاة المأموم؛ لأنه يعتقد بطلان صلاة إمامه، كما قال ذلك من قاله من أصحاب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد. • والقول الثاني: تصح صلاة المأموم، وهو قول جمهور السلف، وهو مذهب مالك، وهو القول الآخر في مذهب الشافعي، وأحمد، بل وأبي حنيفة وأكثر : الاقتداء بمن 37/6 : نصوص أحمد على هذا وفي موسوعة الفقه الكويتية يخالفه في الفروع: • لا خلاف بين الفقهاء في صحة الاقتداء بإمام يخالف المقتدي في الفروع، إذا كان الإمام يتحامى مواضع الخلاف، بأن يتوضأ من الخارج النجس من غير السبيلين كالفصد مثلاً، ولا ينحرف عن القبلة انحرافًا فاحشًا، ويراعي الدلك والموالاة في الوضوء، والطمأنينة في الصلاة. • وكذلك يصح الاقتداء بإمام مخالف في المذهب إذا كان لا يعلم منه الإتيان بما يفسد الصلاة عند المقتدي بيقين؛ لأن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المسلمين لم يزل بعضهم يقتدي ببعض مع اختلافهم في الفروع، ولما فيه من وحدة الصف وقوة المسلمين. • فقد صرح المالكية والحنابلة -وهو رواية عند الشافعية- بصحة الاقتداء؛ لأن المعتبر في شروط الصلاة مذهب الإمام لا المأموم، ما لم يكن المتروك ركنًا داخلا في الصلاة عند المالكية، كترك الرفع من الركوع. • وفي الأصح عند الشافعية لا يصح الاقتداء اعتبارًا بنية المقتدي؛ لأنه يعتقد فساد صلاة إمامه، فلا يمكن البناء عليه. • وقال الحنفية: إن تيقن المقتدي ترك الإمام مراعاة الفروض عند المقتدي لم يصح الاقتداء، وإن علم تركه للواجبات فقط يكره، أما إن علم منه ترك السنن
الملك عبد العزيز .. موحد صفوف الأمة في الحرمين الشريفين | الفصل الثاني 54
فينبغي أن يقتدي به؛ لأن الجماعة واجبة، فتقدم على ترك كراهة التنزيه، وهذا بناء على أن العبرة لرأي المقتدي -وهو الأصح- وقيل: لرأي الإمام، وعليه جماعة. قال في النهاية: وهو الأقيس، وعليه فيصح الاقتداء، وإن كان الإمام لا يحتاط. من أقوال المانعين: • رحمة الله السندي وخير الدين الرملي الحنفيان: • : وقد ألف جماعة من العلماء 377/1 قال ابن عابدين في حاشيته على الحصكفي رسائل في كراهة ما يفعل في الحرمين الشريفين وغيرهما من تعداد الأئمة والجماعات، وصرحوا بأن الصلاة مع أول إمام أفضل، ومنهم صاحب المنسك المشهور العلامة الشيخ رحمة الله السندي تلميذ المحقق ابن الهمام، فقد نقل عن العلامة الخير الرملي في باب الإمامة: أن بعض مشايخنا سنة إحدى وخمسين وخمسمئة أنكر ذلك، منهم الشريف الغزنوي، وأن بعض المالكية في سنة خمسين وخمسمئة أفتى بمنع ذلك على المذاهب الأربعة، ونقل عن جماعة من علماء المذاهب إنكار ذلك أيضًا. ابن فرحون المالكي: • : (ثم قال ابن فرحون: ووقفت بثغر الإسكندرية على تأليف )12( قال الحطاب يخالف ما أفتى به الجماعة وأن الإمام الراتب هو إمام المقام ولا أثر لأمر الخليفة في رفع الكراهة الحاصلة في جمع جماعة بعد جماعة واستدل على ذلك بأدلة كثيرة وألف في ذلك تأليفًا ولم يحضرني الآن اسم مؤلفه رحم الله الجميع، انتهى. • قلت: وقد وقفت على تأليفين في هذه المسألة: أحدهما: للشيخ الإمام أبي القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن عبد الله بن الحباب السعدي المالكي، والثاني منهما: للشيخ الإمام أبي إبراهيم الغساني المالكي). ابن الحباب السعدي المالكي:
.113 ،2 ، ( ( السابق 1(
55 الفصل الثاني | الملك عبد العزيز .. موحد صفوف الأمة في الحرمين الشريفين
Page 1 Page 2 Page 3 Page 4 Page 5 Page 6 Page 7 Page 8 Page 9 Page 10 Page 11 Page 12 Page 13 Page 14 Page 15 Page 16 Page 17 Page 18 Page 19 Page 20 Page 21 Page 22 Page 23 Page 24 Page 25 Page 26 Page 27 Page 28 Page 29 Page 30 Page 31 Page 32 Page 33 Page 34 Page 35 Page 36 Page 37 Page 38 Page 39 Page 40 Page 41 Page 42 Page 43 Page 44 Page 45 Page 46 Page 47 Page 48 Page 49 Page 50 Page 51 Page 52 Page 53 Page 54 Page 55 Page 56 Page 57 Page 58 Page 59 Page 60 Page 61 Page 62 Page 63 Page 64 Page 65 Page 66 Page 67 Page 68 Page 69 Page 70 Page 71 Page 72 Page 73 Page 74 Page 75 Page 76 Page 77 Page 78 Page 79 Page 80 Page 81 Page 82 Page 83 Page 84 Page 85 Page 86 Page 87 Page 88 Page 89 Page 90 Page 91 Page 92 Page 93Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online