عبد العزيز، أن من أوائل ما فطن له الملك المؤسس بعد مبايعته ملكًا على الحجاز كان ضرورة توحيد المذهب الفقهي للبلاد، كي يزيد في لحمة المواطنين وتوحيد كلمتهم، فوجه العلماء بسرعة الشروع في عمل مجلة للأحكام العدلية لتكون مسطرة الأحكام في محكمة مكة المكرمة في ذلك الوقت، فاستجاب الشيخ أحمد القارئ وأنجز "مجلة الأحكام الشرعية"، فكان ذلك مدخلا لتوحيد الناس لاحقًا في جماعة واحدة للصلاة في الحرم خلف إمام واحد، بدلا من تعدد الأئمة في الفرض الواحد وتفرق الناس بين المقامات. وحول ترتيب أداء الفرض بينهم، ذكر الدكتور فوزي ساعاتي، عضو هيئة تدريس بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، في دراسة له بعنوان "المقامات الأربعة في المسجد الحرام" أن الناس كانوا يؤدون الصلاة خلف إمام واحد، هو إمام مقام إبراهيم -عليه السلام- الذي أصبح يقابله فيما بعد مقام الشافعية، قبل إحداث المقامات، فلما أحدثت أصبحت الصلاة الواحدة تقام أربع مرات، وينتصب لكل إقامة إمام مذهب من المذاهب الأربعة، ويصلي أتباع كل مذهب على الأغلب وراء إمام مذهبهم، فيصلي الشافعي، ثم الحنفي، ثم المالكي، ثم الحنبلي، في كل الصلوات ما عدا المغرب، يصلونه جميعًا في وقت واحد نظرًا لضيق الوقت، مما يؤدي إلى التداخل بين المصلين، فيسلم المصلي بسلام غير إمامه أو يركع بركوع غيره، ويحصل الوسواس والسهو للكثيرين. ويذكر المؤرخون أن بداية الأمر كانت فيها سعة؛ لأن المصلي إن فاتته الجماعة الأولى أدرك غيرها مع أي مذهب كان، ثم لوحظ أن بعضًا من الناس يكون في المسجد الحرام والصلاة قائمة، فلا يصلي مع المصلين متعللا بانتظار إمام مذهبه ليصلي خلفه، وأخذ عدد المتخلفين عن الصلاة تعصبًا للمذهب يكثر ويزيد، حتى وصل إلى مرحلة خطرة يصفها الشيخ الألباني بقوله في كتابه "أصل صفة الصلاة" "كانت هذه المسألة وأمثالها مثار فتن عظيمة بين الحنفية والشافعية، حتى لقد دفعتهم إلى وضع القاعدة المشهورة عند الفريقين: تكره الصلاة وراء المخالف في المذهب، وهي كراهة تحريم عند علمائنا -يقصد الأحناف- ولا تزال آثار هذه القاعدة بادية في مساجدنا، ففيها المحاريب الأربعة، وترى فيها ناسًا يصلون مع الإمام،
45 الفصل الثاني | الملك عبد العزيز .. موحد صفوف الأمة في الحرمين الشريفين
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online