التقرير الاستراتيجي 2025-2026

أصدر مركز الجزيرة للدراسات تقريره الإستراتيجي السنوي تحت عنوان "بعد حرب العامين: تطورات المشرق وتوازناته الجديدة"، مقدِّمًا قراءة تحليلية شاملة للتحولات التي شهدها الإقليم عقب الحرب الإسرائيلية على غزة، وانعكاساتها على موازين القوة في المشرق. وبيَّن التقرير أن حرب العامين، التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وشكَّلت محطة مفصلية في تاريخ الصراع، أطلقت سلسلة تحولات عميقة مسَّت موقع القضية الفلسطينية وأعادت صياغة التفاعلات الإقليمية. وأوضح أن مسار العمليات العسكرية، وما رافقه من إبادة جماعية وتهجير قسري وتدمير واسع للبنية التحتية في غزة، إلى جانب تسارع الضم في الضفة الغربية، أعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة الدولية، وفتح نقاشًا واسعًا حول مستقبل الدولة الفلسطينية وموقعها في أي ترتيبات سياسية قادمة. وأشار التقرير إلى أن هذه التحولات ترافقت مع إعادة توزيع للأوزان داخل الإقليم؛ حيث تَعَزَّز حضور إيران وتركيا في معادلات الأمن الإقليمي، في وقت تواجه فيه إسرائيل تحديات متزايدة على أكثر من جبهة. كما وضع التقرير هذه التطورات ضمن سياق دولي أوسع يشهد تشكُّل نظام متعدد الأقطاب، تتوزع فيه القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، بفعل تحولات جيوسياسية متسارعة.

7 . ........................................................................................................................................ مقدمة 13 ................................................................................................. توازنات القوة في المشرق التحرير بعــد عاميــن من الحرب علــى غزة: مشــروع المقاومة وخطط الاحــتلال وآفاق 25 .................................................................................................................................... التدويل شفيق شقير 37 ...................................................... لبنان: أزمة الداخل وتحديات الصراع مع إسرائيل شفيق شقير 47 ................................................................... الحرب في السودان: المسارات والتوقعات سيدي أحمد ولد الأمير 55 ................................ اليمن بين إعادة رسم خرائط السيطرة والغموض الإستراتيجي محمد عبد العاطي 59 ............. سوريا: تحديات إعادة البناء في ظل تنافس الأجندات الإقليمية والدولية شفيق شقير 67 .................................... 2026 تكلفة الجغرافيا الخليجية: تغليب التقارب الأمني في الحواس تقية ران والـصـــراع مـــع واشــنطن وتل أبيب: مــن المنطقة الرماديــة إلى الاختبار ـ إي 71 ................................................................................................................................... الداخلي فاطمة الصمادي

5

السـبـاق الـجـــيوتقني: خـريـطة قـوى الـذكـاء الاصـطـنـاعـي والـتقنيات الفائقة 77 ................................................................................................................................ 2026 في الحواس تقية

مقدمة شهدت القضية الفلسطينية خلال حرب العامين، التي شنََّتها إسرائيل على غزة، تحولات عميقة وضعتها على مفترق طرق. فبســبب الإبادة الجماعية، وســعي الاحتلال لتهجير الســكان قســرًًا، وتدمير البنية التحتيــة للقطاع، وضم ما بقي مــن أراضي الضفة الغربية لإنهاء شــروط قيام دولة فلســطينية، تصد ََّر الشــأن الفلســطيني الاهتمــام العالمي، بعد أن كادت القضية الفلســطينية تختفي وراء تســويات واتفاقات سلبت الفلســطينيين أبسط حقوقهم. في المقابل، استقطبت القضية الفلســطينية، خلال هذين العامين، حركة مناصرة شعبية ورسمية واسعة لم تعرفها في تاريخها، وباتت الدولة الفلســطينية مطلبًًا عالميًًّا تتســابق الدول ا ضروريًًّا لصراع لم يُُحسم بالاحتلال أو بالحروب المتعاقبة. للاعتراف به حلًّا تجري هذه التحولات في ســياق إقليمي أصبحت فيه إيران، رغم خســائرها، وتركيا التي تسابق الزمن لتعزيز مكانتها، قوتين إقليميتين لا يمكن تخطيهما في أي ترتيبات تهم أمن المنطقة واستقرارها. بينما تشهد إسرائيل، رغم مظاهر القوة الضاربــة، تراجعات على أكثر من جبهة. أما على الصعيد العالمي، فالشــواهد س ـ َر فيه احتكار القيادة، � تتوالى على تشــكل نظام دولي تتعدد فيه الأقطاب، ويُُك وتتوزع فيه القوة العســكرية والاقتصادية والسياسية والتكنولوجية على أكثر من قطب، لاســيما مع ما أحدثته التقنيات الحديثة والثورة الرقمية المتســارعة من تحولات جيوسياسية وإستراتيجية هائلة. . فالحــرب الإســرائيلية على غزة، رغم اتفاق وقــف إطلاق النار، الذي وُُقِِّع 1 ، لم تتوقف تمامًًا. فإسرائيل لا تزال تحتل أكثر 2025 في أكتوبر/تشــرين الأول . ولم تتوقف عن قتل " الخــط الأصفر " مــن قطاع غزة، فيما يُُعرف بـ 50 ٪ مــن الفلســطينيين، الذين ناهز عددهم، خلال أربعة أشــهر منذ إعلان وقف إطلاق شــهيد. ولا تزال تتحكم في ملف المســاعدات الإنسانية ولا تسمح 600 النار، بإدخال ما يحتاجه سكان القطاع من غذاء ودواء ومأوى. أما في الضفة الغربية، فيستمر نشاط الاستيطان حثيثًًا، وقد تسارع ضم المزيد من الأراضي الفلسطينية، مع زيادة عنف المســتوطنين وجيش الاحتلال ضد المدن والقرى والمخيمات بشــكل غير مســبوق. ورغم تعيين لجنة تكنوقراط لإدارة غزة، وتشكيل مجلس

7

للسلام للإشراف على المرحلة القادمة في سياق خطة ترامب للسلام، لم تتوقف إسرائيل عن انتهاكاتها، ولم تشهد ظروف الفلسطينيين المعيشية تحسنًًا يُُذكر. . ولا يــزال لبنــان يواجــه أزماته المرك ََّبة ويحاول اســتعادة دور الدولة تحت 2 ضغــوط داخلية وخارجيــة متزايدة. فمن جهة، لا تزال تداعيات الانهيار المالي تلقــي بظلالها على الوضع الاقتصادي وتســهم في 2019 المتراكــم منــذ عام تعطيل الإصلاح وتأجيل التعافي. ومن جهة أخرى، يخيِِّم على المشهد السياسي وما ستدفع إليه من إعادة تموضع 2026 استحقاق الانتخابات النيابية المرتقبة في داخلية واحتمال تغيُّّر معادلات القوة ضمن نظام محكوم طائفيًًّا. في المركز من هذه الأزمات، تبرز أزمة حصر سلاح حزب الله، بوصفها الناظم الرئيسي لهذه المرحلة، نظرًًا لتباعد المقاربات بشأنها، ولامتداداتها المحلية والإقليمية المعقدة. . وفي السودان، تستمر الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، وقد تغيرت 3 بصورة ملموسة. فبعد أن استعاد الجيش السوداني 2025 خرائط السيطرة خلال سيطرته على العاصمة، الخرطوم، في مارس/آذار، استولت قوات الدعم السريع على مدينة الفاشــر، عاصمة إقليم دارفور، في أكتوبر/تشــرين الأول، ولا تزال مناطق في ولايات إقليم كردفان تحت ســيطرتها. ورغم الجهود الدبلوماســية ا من الولايات المتحدة ومصر والســعودية ، التي تضم كل ًّا " الرباعية " التي تبذلها والإمارات، لا يزال الوضع متفاقمًًا، خاصة مع انخراط أطراف إقليمية في تأجيج الصراع. . فــي الســاحة اليمنية، تجلََّى الــخلاف بين الحليفين الخليجيين، الســعودية 4 والإمارات، بعد أن حاولت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة إماراتيًًّا التوســع شرقًًا والسيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة، في ديسمبر/كانون . لم تلبث الســعودية، التي رأت في تحرك القوات الجنوبية تهديدًًا 2025 الأول مباشــرًًا لأمنها ومصالحها، أن ردََّت بالقصف المباشــر وبدعم قوات الحكومة، المعترف بها دوليًًّا، لإعادة الوضع إلى ما كان عليه. غير أن التطورات الميدانية لم تســفر عن اســتعادة السيطرة على المحافظتين الشرقيتين وحسب، بل انتهت بدحــر القــوات الجنوبية من كامــل الأراضي التي كانت تســيطر عليها، وحل المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي فرََّت قيادته إلى الإمارات.

8

، كانت ســوريا قد أكملت عامها الأول بعد ســقوط نظام 2025 . بحلول نهاية 5 البعث الذي حكم سوريا لأكثر من ستة عقود. خلال هذا العام، شرعت البلاد فــي عمليــة انتقال صعبة من حالة الانهيار شــبه الكامل إلى إعــادة بناء الدولة والمجتمع والاقتصاد والسياســة الخارجية. وخلال أشــهر من الحكم، تمكنت القيادة الجديدة من تحقيق بعض التقدم، بما في ذلك رفع العقوبات الاقتصادية التي كانت مفروضة لعقود. كما تمكنت من إعادة السيطرة على معظم الأراضي ، التي شهدت اشتباكات 2026 الســورية، خاصة خلال الأسابيع الأولى من عام بين القوات الحكومية وقوات ســوريا الديمقراطية (قســد). فقد وس ََّعت القوات الحكومية ســيطرتها على مناطق الشمال الشــرقي وتوصلت إلى اتفاق سياسي شــامل مع قســد، ينص على دمج تدريجي لقواتها في مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية والسياسية. . فــي الخليج، بــرز دور المملكة العربية الســعودية وكان مؤثرًًا في أكثر من 6 ســاحة. ففي اليمن، تعزز النفوذ السياســي والميدانــي للحكومة المركزية التي تدعمها. وعلى الصعيد الإقليمي، وقََّعت اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان النووية، وتقاربــت مع تركيا وطورت علاقاتها مع إيران. أما دوليًًّا، فقادت، بالتعاون مع فرنســا، جهدًًا دبلوماســيًًّا عالميًًّا بلغ ذروته في مؤتمر الأمم المتحدة حول حل الدولتين والاعتراف بالدولة الفلسطينية. من جهتها، استمرت الإمارات في متابعة أجندتها الإقليمية وتوســيع نفوذها، خاصة في البلدان المنقســمة والهش ََّة وغير المستقرة. لكن هذه السياسات الطموح أدت إلى تمدد جيوسياسي مفرط اصطدم نـ ًا بأجندات قوى إقليمية منافســة، مثل ما حدث في اليمن والصومال. أما � أحيا قطر، فقد واصلت بناء صورتها ومكانتها قوة ناعمة مؤثرة، من خلال الوساطات الدبلوماســية والاستثمارات الإســتراتيجية في مناطق جغرافية محددة وقطاعات اقتصاديــة مختارة. ولكن هــذا الدور عرََّضها، في ســبتمبر/أيلول، إلى اعتداء إسرائيلي استهدف وفد حركة حماس المفاوِِض في محاولة لوضع حد للوساطة بشأن غزة. . لا يزال البرنامج النووي الإيراني يشــك ِِّل محورًًا رئيسيًّّا للخلاف والتوتر بين 7 طهران والقوى الغربية، على الرغم من المفاوضات المســتمرة، التي فشلت في

9

تحقيــق أي تقدم، بــل أدََّت إلى تفجير المزيد مــن الخلافات ومهدت الطريق للهجوم الإســرائيلي علــى إيران واندلاع حرب الاثني عشــر يومًًا، في يونيو/ . تزداد الهوة بين الطرفين اتســاعًًا بتوســيع نطاق المطالب الغربية 2025 حزيران الإسرائيلية لتشمل، إلى جانب الملف النووي، البرنامج الصاروخي ونفوذ إيران في المنطقة. من ناحية أخرى، شــهدت علاقات إيران الإقليمية تحسنًًا ملحوظًًا أسهم في تشكيل كتلة خليجية/تركية معارضة للحرب، تمك ََّنت من إعادة الطرفين . غير أن الخلاف يظل حادًًّا ويصعب 2026 إلى طاولة المفاوضات في بداية العام تجاوزه في ظل تمسك كل طرف بمطالبه؛ ما يفسح المجال أمام إمكانية تجدد الحرب، أو استمرار إدارة الصراع بين منظومتي الطرفين في مناطق الظل تحت عتبة الحرب. . يزداد وزن تركيا في سياسات الشرق الأوسط، وقد باتت تلعب أدوارًًا فاعلة 8 في عدة ترتيبات إقليمية، ســواء في جوارها المباشــر، مثل الساحة السورية، أو في مناطق أخرى مثل شــمال إفريقيا والقرن الإفريقي وجنوب القوقاز. في عام ، اســتمر نفوذ تركيا الجيوسياسي في التوسع، وشهدت علاقاتها مع مصر 2025 ودول الخليج تحســنًًا ملحوظًًا، وقبل نهاية العام، بدأت تلعب دورًًا متزايدًًا في ترتيبــات ما بعد الحرب في غزة. داخليًًّا، شــك ََّل الاتفاق بين الحكومة وحزب ، الذي يقضي بإلقاء الحزب السلاح 2025 العمال الكردســتاني، في مايو/أيــار والاندماج الســلمي في مؤسســات الدولة، نقطة تحول في السياســة الداخلية والإقليمية لتركيا. ، وستسهم 2026 ستستمر التطورات في كل هذه الساحات في التفاعل خلال العام الديناميات التالية في تحديد اتجاهاتها الأساسية: - المفاوضات الإيرانية-الأميركية وما ستفضي إليه من نتائج، سواء تمك ََّن الطرفان من عقد اتفاق، أو اتجهت الأمور إلى الحرب، أو اســتمرت إدارة الصراع في مناطق الظل بأساليب مختلفة. - العلاقات السعودية-الإماراتية وانعكاساتها على منطقة الخليج، وتداعياتها في الساحات التي تختلف فيها سياسات البلدين.

10

- التقــارب بين تركيا والســعودية ومصر، وإمكانية تطــو ُُّره إلى تحالف إقليمي أوســع يعيد تشــكيل موازين القوى في المنطقة ويحقق التكامل بين سياســاتها الإقليمية على صعيد الأمن والتنمية. قـ ًا لتفاعــل هذه الديناميــات الإقليمية الثلاث، يتناول التقرير الإســتراتيجي � وف ) أبرز الساحات المذكورة أعلاه ويرصد 2026 - 2025 لمركز الجزيرة للدراسات ( اتجاهات التطور فيها، وفيما بينها. كما يقدم قراءة في تحوّّلات موازين القوة في المشرق بعد حرب العامين في غزة.

11

توازنات القوة في المشرق )، التي شــنها الاحتلال 2025 - أكتوبر 2023 لــم تكــن حرب العامين (أكتوبر الإسرائيلي على غزة جولة عابرة مثل سابقاتها، بل كانت مؤشرا على تغيير عميق في التوازنات الإقليمية وفي شكل العلاقة بين مكونات منطقة الشرق الأوسط. تغيير " وحين بدأت الحرب تتوســع إلى الجــوار الإقليمي، أصبح الحديث عن ، يُُقصد به تغيير خارطة القوة في المنطقة الأكثر قلقًًا في النظام " الشرق الأوسط الدولي. وما كان من قبيل السيناريوهات البعيدة باتت شواهده ملموسة، فحجم التغيير الذي شــهدته توازنات القوة في الشرق الأوسط خلال العامين الماضين لم تشهده المنطقة منذ عقود. في البداية، أعلن نتنياهو أن حربه الانتقامية على غزة، التي أعقبت هجوم السابع من أكتوبر، تهدف إلى استعادة الأسرى وتدمير حماس. ولكنها تحوّّلت إلى إبادة جماعية ضد الســكان وتدمير واسع لبنية القطاع التحتية والحيوية. وعلى الرغم من أن تدخل حزب الله في الحرب كان محدودًًا، لم تلبث الحكومة الإسرائيلية ، بادرت إسرائيل 2025 أن وس ََّعت نطاق الحرب إلى لبنان. وفي يونيو/حزيران إلى مهاجمة إيران لتدمير برنامجها النووي، مستغلة وجود الرئيس دونالد ترامب على رأس الإدارة الأميركية. ، 2025 وحتى بعد سريان وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول لم تتوقف إسرائيل عن استهداف كوادر حماس في غزة وقيادات حزب الله في لبنان، وفي سبتمبر/أيلول، هاجمت العاصمة القطرية الدوحة، ولا تزال تقصف لبنان دون رادع، وتحتل الأراضي الســورية، وتتوغل في عمق الجنوب الغربي للبلاد. علاقات القوة في المشرق عشية الحرب ، 2023 في السنوات القليلة التي سبقت أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول كانت أربع دول تتقاســم خارطة القوة وتوازناتها في الشرق الأوسط، هي تركيا وإيران والسعودية وإسرائيل. أما مصر، التي يُُنظر إليها بوصفها أكبر دول المشرق

13

وأكثرهــا تأثيــرًًا، فقد تراجع دورها كثيرا لعدة أســباب، منهــا تدهور الأوضاع الاقتصادية وتواضع الطموحات الإقليمية للطبقة المصرية الحاكمة. استندت كل من هذه القوى الأربع إلى قواعد خاصة للقوة، عســكرية أو اقتصادية أو ثقافية موروثة. واتبعت سياســات وأقامت تحالفات تعكس تصورها الذاتي لمصالحها القومية، وطبيعة المخاطر المحيطة بها. تقاربا ملموس ًًا مع جوارها العربي، واهتمامًًا 2025 فتركيا، التي شهدت خلال عام متزايدًًا باســتعادة علاقاتها التاريخية بشعوب المشرق والبلقان والقوقاز، حققت نهضة اقتصادية هائلة. كما نجحت في بناء قاعدة صناعية عسكرية متطورة غط ََّت معظم حاجاتها وعزََّزت حضورها في السياسة الإقليمية والدولية. أما السعودية، فترتكز في قوتها ونفوذها إلى حجمها الهائل، الذي يغطي معظم الجزيرة العربية، وإلى ميراثها الديني بوصفها بلد الحرمين، وإلى ثروتها الاقتصادية الكبيرة. وفي السنوات الأخيرة، تعمل السعودية على تأكيد موقعها القيادي في المشرق العربي التنموية الطموحة. وفي حين شــهدت العلاقات الســعودية 2030 وفــق رؤيــة الإماراتية توترا ملحوظا في أكثر من ساحة إقليمية، تعرف علاقات المملكة مع تركيا تطورا لافتا تجلى في تبادل الزيارات وعقد اتفاقيات الشراكة والتعاون في اتفاقية دفاع 2025 مجالات متعددة. وكانت المملكة قد عقدت في سبتمبر/أيلول استراتيجي مشترك مع باكستان النووية. ، برزت دولة مركز وقيادة 1979 إيران من ناحيتها، ومنذ قيام الثورة الإسلامية في ملهمة للمســلمين الشيعة في المشــرق. ولكن قوة إيران وتأثيرها لا ينبعان من هويتها الشــيعية وحسب، بل أيضا من ميراثها الإمبراطوري وقوتها الاقتصادية. ورغم خضوعها لعقوبات أميركية وغربية منذ عقود، تسعى إيران لتوسيع نفوذها فــي جوارها العربي على وجه الخصــوص، مدفوعة في ذلك بطموحات قومية وطائفية معًًا. ولكن هذه السياســة التوســعية، تعرضت إلى نكســة في الساحة ، تمثلت في ســقوط حليفها الاســتراتيجي، نظام بشار 2024 الســورية مع نهاية الأسد. إسرائيل، بقيمها وخطابها وهويتها وأهدافها التوسعية، من جهة أخرى، ظلت منذ تأسيسها كيانًًا غريبًًا عن المشرق، في حالة عداء دائم مع دوله وشعوبه، وتهديدًًا

14

لاســتقرار المنطقة وأمنها. ولكن، بالرغم من جغرافية دولة إسرائيل المحدودة، وثقلهــا الديمغرافــي الصغير، فقد تحولت، بدعم غربي هائل، إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية كبيرة، تمتلك ذراعًًا عسكرية تتفوق على كافة دول الجوار. ولكنها، مع ذلك، لم تستطع التعايش مع جوارها العربي الإسلامي، حتى بعد أن وقََّعت معاهدات سلام مع مصر والأردن والإمارات والبحرين والمغرب، واتفاقية أولية للسلام مع الفلسطينيين. وظلت طموحات الهيمنة والتوسع، من جهة، ومخاوف التهديــد الوجــودي والزوال، من جهة أخرى، الأكثر ثباتًًا ورســوخ ًًا في تصور إسرائيل لعلاقاتها بجوارها الإقليمي. بركائز القوة هذه، واســتنادا إلى المواريــث التي تملكها كل من الدول الأربع، اتسمت العلاقات بين هذه القوى، بقدر لا يخفى من التدافع والتنافس والسعي الضمني لتجنب الصدام المباشر، في الوقت ذاته. فكان العراق، على ســبيل المثال، منذ بداية الاحتلال الأميركي، ساحة التنافس الأولى بين إيران وتركيا، عندما دفعت إيران حلفاءها في العراق لرفض انتشــار س ـ ُنَّيَة. وطيلة الســنوات التي أعقبت � قــوة سلام تركية في محافظات الأغلبية ال الاحتلال الأميركي، ظلت إيران حريصة على الوقوف أمام نفوذ تركيا السياسي والاقتصــادي في العراق، حتى عندما كانت مصلحة العراق تســتدعي التقارب أو التوافــق مع تركيا. وربما كان مشــروع ما بات يُُعــرف بطريق التنمية، الذي يُُفترض أن يمتد من ميناء البصرة إلى ســاحل المتوســط التركي، أبرز مثال على هذا الموقف الإيراني. فالمشــروع، الذي وقََّعه رئيس الحكومة، محمد شــياع ا أمام عودة الســوداني الســوداني، مع تركيــا، وعارضته إيران، يكاد يقف حائلًا لرئاســة الحكومة، بالرغم من فوز قائمته بأكبر عدد من مقاعد البرلمان العراقي في الانتخابات الأخيرة. أما ســوريا، فقد تحولت منذ اندلاع الثورة ضد نظام الأســد إلى ســاحة تدافع محتــدم بين إيــران وتركيا، بعد أن وقفت إيران بقوتها العســكرية والاقتصادية وثقلهــا الطائفي إلــى جانب النظام، ووقفت تركيا إلى جانب الثورة الســورية. ورغم المحاولات التركية للتوافق مع إيران على استبدال حكومة وطنية توافقية بنظام الأســد، ظلت إيران ترفض كافة مقترحات حل الأزمة الســورية، طالما

15

تضمنت تخلي الأســد عن السلطة. ولم يقتصر التنافس الإيراني - التركي على الجــوار العربي. فكما في العراق وســوريا، وقفــت إيران إلى جانب أرمينيا في مواجهــة أذربيجــان، حليف تركيا الرئيس في جنــوب القوقاز. ومع ذلك، بقي التدافع الإيراني - التركي محكومًًا بســقف ضمني، وحرص من الدولتين على عدم القطيعة وتجنب الصدام المباشر. فإيران، المثقلة بأعباء العقوبات الأميركية والدولية، ترى في تركيا شريانا اقتصاديا حيويا ونافذة مهمة على العالم، بينما تُُعد إيران أحد مصادر الطاقة لتركيا، وطريقها إلى أذربيجان ووسط آسيا. بصورة مختلفة نســبيا، تمثّّل سياسة إيران الإقليمية مصدر قلق وتهديد للمملكة العربية الســعودية. فإيران هي الحليف والداعم الكبير للحوثيين في اليمن، كما هي حليف حزب الله في لبنان ومصدر دعمه الرئيس. ولأن الســعودية، ومنذ ولادتها، حرصت على منع سيطرة قوة واحدة، مهما كانت هويتها، على البوابة الشمالية، البوابة البرية الوحيدة للجزيرة العربية، فقد نظرت بقلق كبير إلى تمدد النفوذ الإيراني في العراق وســوريا ولبنان. ولكن سياســة السعودية الخارجية، تميزت بالنََّفََس الطويل، ما جعلها تتجنب هي الأخرى الصدام المباشر مع إيران، بل حاولت في السنوات الأخيرة تطبيع العلاقات معها. علــى صعيد العلاقات بين الرياض وأنقرة، ومنذ أن تجاوز البلدان فترة القطيعة القصيرة، ذهبت السعودية إلى تعزيز علاقاتها بتركيا، سيما في مجال الصناعات العسكرية، وسعت إلى توطين عدد من هذه الصناعات، إلى جانب تنفيذ مشاريع تصنيع مشترك. كما اهتمت الرياض بتنسيق المواقف السياسية مع أنقرة في أكثر من ساحة إقليمية ودولية. ولكن جهود التقارب الحثيثة لم تُُخ ْْف أوجه التنافس بين البلدين. فلأســباب تتعلق بالدور والموقع، لم تُُبْْد الرياض حماس ًًا لمشروع طريق التنمية العراقي - التركي. ولكن إدارة التنافس والتقارب التي حكمت علاقات إيران وتركيا والســعودية، لا تنطبــق على علاقات إســرائيل بأي من الــدول الثلاث، ولا بجوارها العربي الإسلامي ككل. فإسرائيل تنظر إلى التقدم الحثيث في المشروع النووي الإيراني ا . وبالرغم من اختلاف ا أم آجل ًا بوصفه تهديد ًًا وجوديًّّا لابد من التعامل معه، عاجلًا طبيعة العلاقة بين إيران وحزب الله، وإيران وحركة حماس، يرى الإسرائيليون يــد إيران خلــف كل تطور في مقد ََّرات حزب الله وحماس العســكرية. وكما

16

حاولت إســرائيل، بين وقت وآخر، اســتخدام القوة التدميرية لإضعاف حماس وتقويض مقدراتها، كذلك شــنت غارات جوية دورية على مواقع تمركز إيران وحزب الله في سوريا. وبسبب الدعم التركي للفلسطينيين على المستوى السياسي، ارتفع مستوى التوتر بين أنقرة وتل أبيب، كما ارتفع مستوى القلق الإسرائيلي من تصريحات أردوغان عالية النبرة تجاه سياســاتها، ومن ترحيب أنقرة بقيادات حماس، وتحول تركيا إلى حاضنة آمنة للنشــطاء الفلســطينيين. وللمرة الأولى منذ تأسّّست العلاقات ، بات على إســرائيل أن تأخذ في 1950 الدبلوماســية بين تركيا وإســرائيل في الحسبان توسع النفوذ التركي، إقليميًّّا ودوليًّّا. حروب في كافة الاتجاهات مثّّل هجوم الســابع من أكتوبر/تشــرين الأول كارثة عسكرية غير مسبوقة لدولة إسرائيل. وبعد عدة أسابيع، وعندما أصبح ممكنًًا التفكير بقدر من العقلانية، أَقََّر ضباط احتياط إسرائيليون بأن حزب الله كان بإمكانه، لو شارك في الهجوم، أن يسيطر على منطقة الجليل برمتها. ا على تصور إسرائيل لنفسها وللإقليم العربي الإسلامي ترك ذلك الهجوم أثرًًا هائل ًا المحيط بها. صحيح أن الهجوم الذي شنََّته قوات القسام لم يغيِِّر بصورة جوهرية من شعور إسرائيل الأصيل بالغربة عن هذه المنطقة، وبالعداء لشعوبها، وبالرغبة الأصيلة في الهيمنة على دولها. ولكنه أظهر للإســرائيليين، شعبًًا وطبقة حاكمة على الســواء، هشاشــة القلعة التي أقامتها دولتهــم لحمايتهم، وصلابة الرفض العربي الإسلامي لطبيعة الكيان الذي أقاموه. كما اكتشــفت إسرائيل أنها فقدت إلى حد كبير قوة ردع الفلســطينيين والجــوار، تلك القوة ذاتها التي تُُعد ركيزة عقيدة إسرائيل الأمنية منذ ولادتها. ولأن المقاومة الفلسطينية نجحت في إذلال إسرائيل، لم يرد الإسرائيليون بحرب شاملة وحسب، بل بحرب إبادة على قطاع غزة، وبعدة حروب أخرى في الإقليم. ، وبعد عام كامل مــن تبادل القصف 2024 ففــي مطلــع أكتوبر/تشــرين الأول المحدود، وعدد من الهجمات الاستخباراتية التي استهدفت عددًًا كبيرًًا من كوادر

17

حزب الله، فيما عُُرف بتفجير أجهزة الاتصال، واغتيال أمين عام الحزب حسن نصر الله، ونائبه وقائد قواته العسكرية، ما لبثت إسرائيل أن أطلقت حربًًا واسعة على لبنان. تركزت الحرب على جنوب الليطاني ومنطقة البقاع وضاحية بيروت الجنوبية، ولكنها شملت أيض ًًا عمليات قصف واغتيال لقيادات من حزب الله في سوريا وفي مناطق لبنانية أخرى. وفي اليمن، شنََّت إسرائيل عدة هجمات عقابية، صاروخية وجوية، ضد الحوثيين، الذين اتخذوا قرارًًا مبكرًًا بمســاندة قطاع غزة وحزب الله باعتراض الســفن التجارية المتجهة إلى إسرائيل عبر باب المندب، واستهداف ميناء إيلات بالصواريخ والطائرات المسيرة. في غزة ولبنان واليمن، برّّرت إسرائيل حربها بحق الرد على السابع من أكتوبر وعلــى الجهات التي بادرت بالتضامن الفعلي مع المقاومة الفلســطينية. أما في إيران وســوريا، فكان واضح ًًا أن إســرائيل تبحث عن استعادة قوة الردع، وعن اســتغلال الحرب على غزة لتحقيق أهداف إســتراتيجية مسبقة، لم يكن ممكنًًا إنجازها في ظروف ما قبل الحرب. بدأت إسرائيل حربها على إيران بصورة مبكرة عندما استباحت السيادة الإيرانية ، واغتالت 2024 وقصفت مقر ًّّا تابعًًا للسفارة الإيرانية في دمشق، في أبريل/نيسان في طهران. وفي أكتوبر/تشــرين الأول 2024 إســماعيل هنية، في يوليو/تموز ، تبــادل الطرفــان القصف الصاروخي، كما قام سلاح الجو الإســرائيلي 2024 بغارات واســعة النطاق على أهداف إيرانية، اســتخدم فيها طائرات حلََّقت على حــدود إيران الجنوبية والغربية. ولكن، ســواء لبعد المســافة أو لافتقاد سلاح الجو الإسرائيلي للقذائف المناسبة، لم تستطع إسرائيل استهداف مواقع البرنامج النووي الإيراني فاستعانت بالقوات الأميركية. بر ََّرت حكومة نتنياهو حربها بادعاء المناهضة لإسرائيل في الشرق الأوسط، " قوى الشر " أن إيران تقف خلف كافة وبــأن برنامجها النووي يوشــك أن يتجاوز عتبة الخطــر الوجودي على الدولة العبريــة. أما الولايات المتحدة، فادعت أن البرنامج النووي يمثل تهديدًًا للأمن العالمي، وخاصة أمن الدول الغربية. في ســوريا، وطيلة العقد الســابق على بدء الحرب على غزة، هاجمت إسرائيل بصــورة دورية مواقــع تخزين وتصنيع الــسلاح الإســتراتيجي الخاصة بإيران

18

وحزب الله، إضافة إلى مســالك نقل السلاح النوعي من ســوريا إلى لبنان. ما أراد الإسرائيليون تحقيقه من تلك الهجمات هو منع إيران وحلفائها من تأسيس موقع قوة كافية لتهديد الأمن الإسرائيلي، في حال نشب نزاع مسلح بين إسرائيل وإيران أو بين إسرائيل وحزب الله. ولكن نجاح الثورة السورية في إسقاط نظام ، اعتبرته حكومة نتنياهو خطرًًا على دولة 2024 الأسد في ديسمبر/كانون الأول إسرائيل. وخلال أيام قليلة من سقوط نظام الأسد، توغل الجيش الإسرائيلي في عمق الأرض الســورية، خلف خط فصل القوات، شــرقًًا إلى حافة درعا وريف ا إلى جبل الشيخ الإستراتيجي. كما قام سلاح الجو الإسرائيلي دمشــق، وشمالًا بحملة واسعة النطاق لتدمير ما تبقى من المقدرات العسكرية للجيش السوري. لم تقتصر استباحة إسرائيل لجوارها العربي الإسلامي على إيران واليمن ولبنان ، شنت غارة على مقر لحماس في 2025 وسوريا. ففي التاسع من سبتمبر/أيلول العاصمــة القطريــة، الدوحة. ورغم إخفاق الغارة في تحقيق هدفها باغتيال قادة حماس ووفدها المفاوض، أودت بحياة عدد من منتســبي الحركة وأحد رجال س ـ ّدت الغارة على قطر، التي تقوم بدور وســاطة لإنهاء � الأمن القطريين. وقد ج الحــرب إلى جانب مصر والولايــات المتحدة، اعتقاد رئيس الحكومة، نتنياهو، بأنه يؤدي مهمة كبرى لإعادة تأسيس البيئة الإستراتيجية لدولة إسرائيل. لا شــك أن هذه الحروب الإســرائيلية على الفلسطينيين وعلى والجوار العربي الإسلامي، من طهران وصنعاء إلى بيروت، ومن دمشق إلى غزة، تُُعد إنجازات . 1967 لم تستطع دولة إسرائيل تحقيقها منذ حرب الأيام الستة في يونيو/حزيران ا في تحقيق أهدافها الكبرى بتغيير خارطة القوة فإلى أي حد نجحت إسرائيل فعلًا في الشرق الأوسط؟ كيف تغيرت موازين القوة في المشرق بعد الحرب رغم الآثار الإنســانية الكارثية لحرب الإبادة وتدمير شــروط الحياة في غزة، لم تســتطع إســرائيل إيقاع الهزيمة بحماس وبقية قوى المقاومة، ولا دفع مقاتليها إلى الاســتسلام. ولم تستطع، بعد عامين، فرض ســيطرة كاملة على الثلاثمائة وســتين كيلومترًًا مربعًًا، التي تمثل جغرافية القطاع الصغير، ولا إلى دفع أهالي

19

القطاع إلى المغادرة للخارج. لا شــك أن إسرائيل أوقعت خسائر فادحة بعديد قــوى المقاومة وسلاحها، ولكن، حتى طبقًًا للحســابات الإســرائيلية، لا يزال لحماس ما لا يقل عن عشــرين ألفًًا من المســلحين النشطين عندما أُُعلن وقف . فإذا وضعنا حجم تنظيم حماس المدني 2025 النار في أكتوبر/تشــرين الأول في الحسبان، فالمؤكد، ومهما كانت الترتيبات لإدارة شؤون القطاع، أن حماس ستبقى قوة سياسية مهيمنة. ومــن الصعب، مهما كانت التقديرات للأوضاع الميدانية في غزة، تجاهل الأثر الــذي تركته الحرب ومشــاهد الإبــادة على موقف العدالــة الدولية من القيادة الإســرائيلية، وعلى موقف الرأي العام الدولي من دولة إسرائيل، سيما في دول الغرب الأطلســي. فهذه هي المرة الأولى في تاريخ الصراع على فلســطين التي يواجه فيها قادة الدولة العبرية لائحة اتهام من محكمة دولية، وهي المرة الأولى التي تتحول فيها أغلبية الرأي العام الغربي من الإيمان بحق إسرائيل في الوجود وضرورة الحفاظ على أمنها وتفوقها، إلى تأييد الحقوق الفلســطينية والتشكيك بجدوى وأخلاقية وجود إســرائيل. صحيح، أن هــذا الانقلاب في الرأي العام الغربــي لا ينطبــق بالضرورة علــى موقف القوى الحاكمة، ولكــن المؤكد أنه ا ًا. سيصعِِّب على هذه القوى تجاهل هذه المتغيرات طويل فــي لبنان، نجحت إســرائيل فــي التخلص من قادة كبار لحــزب الله وجناحه العســكري، ومن عــدد ملموس من كادره الأول. كمــا فرضت الحرب إخلاء جنوب الليطاني من وجود الحزب العسكري، وأفسحت المجال لعودة القوات الإســرائيلية إلى احتلال شــريط إســتراتيجي داخل الحدود اللبنانية الجنوبية، تســتخدمه منــذ الاتفاق على وقف النار لابتزاز الدولــة اللبنانية وإجبارها على تجريد حزب الله من السلاح في كافة أنحاء البلاد. لذلك، يمكن القول، سواء بســبب حجم الاختراق الاســتخباراتي، أو حجم الدمار الــذي لحق بالمناطق المؤيــدة للحزب، أو لإخفاق الحزب في الاســتعداد للمواجهة، إن حزب الله خسر هذه الجولة من المواجهة مع إسرائيل. ولكن المؤكد أيض ًًا، ونظرا لتركيبة لبنان الطائفية، أن حزب الله لم يخسر قاعدته الشعبية، وأنه مهما كانت تفسيرات اتفاق وقف الحرب على الجبهة اللبنانية، فإن

20

الجيــش اللبناني لن يســتطيع، وربما لا يرغــب، في تجريد الحزب من سلاحه بالكامــل. فكافــة أركان الحكم في لبنان تــدرك أن محاولة تجريد الحزب من سلاحه بالقوة ســتؤدي إلى اندلاع حرب أهليــة، وربما حتى إلى انهيار الدولة اللبنانيــة. والواضــح أن حزب الله يعمل جاهدًًا على ترميم قدراته العســكرية وإعادة بنائها. مــن جهة أخرى، يبدو أن الحوثييــن خرجوا من الحرب في وضع أفضل حتى من لبنان ومن حزب الله. ففي حين أظهر الحوثيون خلال عامي الحرب قدرة اليمن الإســتراتيجية على التحكم في حركة التجارة العالمية عبر باب المندب، أخفقت الغارات الإســرائيلية المتعاقبة في إضعاف الحوثيين أو ردعهم. وربما أضفت مساندة اليمن لفلسطين ولبنان، خلال عامي الحرب، المزيد من الشرعية على نظام حكم الحوثيين، على الأقل من زاوية نظر فئات واسعة من الرأي العام العربي والإسلامي، التي كانت تعتبرهم قبل الحرب مجرد قوة انقلابية طائفية. أما في إيران، وعلى الرغم من الدمار الهائل الذي ألحقته حرب الاثني عشر يوما بالمنشــآت النووية، لا يزال مصيــر اليورانيوم المخصب مجهولا. ومن المؤكد أن الحرب لم تســتطع تقويض الخبرات العلمية والتقنية المتراكمة في المجال النووي لدى الإيرانيين. ولأن الحرب كشفت جوانب ضعف بالغة في القدرات الدفاعية الإيرانية، تعمل إيران بصورة حثيثة، وبالتعاون مع حلفائها في روســيا والصيــن، علــى إصلاح الخلل في أنظمتها الدفاعية، وإعادة بناء متعددة الأوجه لقوتها العسكرية الردعية. في ســوريا، كان انهيار نظام الأســد وانتصار الثورة، إحدى أكبر المفاجآت غير الخاضعة لحسابات نتائج حرب السنتين التقليدية. فقد أضعفت الحرب الوجود الإيراني، ووجود حزب الله في ســوريا، وتركت نظام الأســد لمصيره، وهو ما أخذته قيادات الثورة الســورية في حســاباتها قبل اتخاذ قرار إطلاق عملية ردع العدوان. وقد أفضى سقوط نظام الأسد إلى عدد آخر من المتغيرات في طبيعة موازين القوة في المشرق. فسوريا خرجت من قبضة نظام الأسد منهكة ومدمرة ومقســمة. وكان التوجه العام لدى قيادات الدولــة الجديدة الابتعاد عن تفجير الصراعات مع أي من دول الجوار، والتركيز على مهمة إعادة بناء الدولة والبلاد.

21

وكان يمكن لإسرائيل، لو أنها تجنََّبت التصعيد مع سوريا، أن تكرّّس حالة السلم والهدوء في الجبهة السورية، وتحصد ثمار الخروج الإيراني من سوريا. ولكنها بدت وكأنها تفاجأت بحجم وطبيعة قوى التغيير في ســوريا، فاندفعت إلى فتح أبواب الجبهة السورية على مصراعيها، بشن مئات الغارات والتوغلات. بذلك، أعاد العدوان الإسرائيلي المستمر سوريا فعليًّّا إلى ساحة الصراع. ولأن سوريا الجديدة تسببت في انحسار النفوذ الإيراني في بوابة الجزيرة البرية، فقد تراجع التهديد الإيراني الإستراتيجي في حسابات المملكة العربية السعودية. من جهة أخرى، أدى خروج إيران من ســوريا، إضافة إلى ردود الفعل الشــعبية الســعودية على حرب الإبادة الإســرائيلية على غزة، إلى استبعاد خيار التطبيع. وكان ولي العهد الســعودي، محمد بن سلمان، واضح ًًا خلال زيارته لواشنطن، ، عندما أكد للرئيس ترامب أن التطبيع بين 2025 نوفمبر/تشــرين الثاني 18 في السعودية وإسرائيل مشروط بإطلاق مسار جاد محدد وذي مصداقية لقيام دولة فلسطينية. ولأن منع قيام الدولة الفلسطينية هو هدف إستراتيجي لحكومة نتنياهو، يبدو أن خيار التطبيع بين السعودية وإسرائيل سيظل بعيد المنال. يتعلق المتغير الآخر في خارطة القوة في المشــرق، بعد حرب السنتين وانتصار الثورة السورية، بمصير العلاقات التركية - الإسرائيلية. فرغم أن هذه العلاقات أخذت في التوتر منذ أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فإن هذا التوتــر لــم ينقل هذه العلاقات إلى خانة العداء والخصومة الكاملة، حتى عندما هاجمت إســرائيل ســفينة الإعانة مافي-مرمرة التركية، أو عندما أقدمت تركيا على اســتدعاء سفيرها من تل أبيب. ولكن تطورات حرب السنتين، والهجمات الإسرائيلية على دول الجوار العربية والإسلامية، أحدثت تغييرًًا جوهريًّّا في طبيعة علاقات البلدين. ، لم تعد أنقرة 1950 للمــرة الأولى منذ اعتراف تركيا الجمهورية بإســرائيل في تستبعد صدامًًا مباشرًًا مع إسرائيل. بل إن الاستخبارات التركية أوصت في تقرير للحكومة بعد الهجمات الإســرائيلية على إيران بضرورة الاستعداد لاحتمالات التعــرض لعــدوان خارجي. لم يذكر التقرير دولة إســرائيل بالاســم، ولكن لا يصعب على أي متابع استنتاج هوية المعتدي المحتمل.

22

فــي المقابل، توصي مراكز البحث الإســرائيلية الحكومة والجيش بإدراج تركيا ضمن قائمة الأعداء الإستراتيجيين، وتؤكد على ضرورة متابعة التطور المتسارع في الصناعة العسكرية التركية، وتنّبّه إلى خطوات توسع النفوذ التركي في الإقليم. ولا شك أن المناخ العدائي الذي بات يظلِِّل علاقات البلدين كان السبب الرئيس خلف معارضة إسرائيل الحادة لمشاركة الجيش التركي في قوة استقرار غزة، التي لا يزال تشكيلها يواجه العديد من الصعوبات. وبعد أن كانت ســوريا ســاحة تدافع غير مباشــر بين تركيا وإيران، تحولت بعد سقوط نظام الأسد إلى ساحة تدافع غير مباشر بين تركيا وإسرائيل. فأنقرة ترى أن الجهود الإسرائيلية لمنع إعادة توحيد سوريا تمثل تهديدًًا إستراتيجيًّّا لتركيا، بينما إسرائيل تعارض أي تمركز إضافي للقوات التركية في العمق السوري. وما إن طُُرحت في دمشــق فكرة تمركز قوة دفاعية تركية في مطار دير الزور حتى سارعت إسرائيل إلى قصف المطار وتدميره. وتراقب إسرائيل بحذر دور وزارة الدفاع التركية في تدريب وتنظيم الجيش الســوري الجديد، وفي إمداد ســوريا بالمعدات العسكرية المصنّّعة في تركيا. لــم تنتــه هذه الجولة مــن الصراع بصورة قاطعة بعد. وليس من المســتبعد أن يتعــرض اتفاق وقف إطلاق النار للانهيــار، وأن تندلع المواجهة من جديد في غزة أو في الجبهة اللبنانية أو مع إيران، أو أن تفشل جهود الاتفاق الأمني بين . ما 1974 ســوريا وإسرائيل، وتعود الجبهة السورية للاشتعال للمرة الأولى منذ تشــير إليه هذه الأوجه المتعددة لعلاقات القوة حتى الآن، أن هذه الجولة من الصراع قد أوقعت تغييرًًا فعليًّّا في موازين القوة في الشرق الأوسط. ولكــن مــن الصعب القول بأن هذا التغيير يدل على نجاح إدارة نتنياهو للحرب في غزة وفي الجوار الإقليمي، أو أنه أدى إلى ترجيح كفة إسرائيل إستراتيجيًّّا. فــي أحد وجوهها، تبدو إنجــازات حرب نتنياهو وكأنها اقتصرت على إضعاف خصوم إســرائيل بمســتويات مختلفة، وفشــلت من إخراجهم كلّّية من معادلة القوة. ولكن إســرائيل خسرت، ولأمد طويل، العوائد الإستراتيجية الهائلة التي كان يمكن حصدها من التطبيع مع السعودية، وأج ََّجت العداء مع سوريا وتركيا، اللتين كانتا تَُُعََّدَان خارج ميزان القوة المناهض لدولة إسرائيل. في المقابل، يبرز

23

التقارب الملموس بين تركيا والسعودية ومصر، ومن يمكن أن يلتحق به من دول المنطقــة، متغيرا آخر بإمكانه أن يصنع فارقا جوهريا في موازين القوة الإقليمية المتغيرة في المشرق.

24

بعد عامين من الحرب على غزة: مشروع المقاومة وخطط الاحتلال وآفاق التدويل

شفيق شقير

مقدمة ا وممنهجًًا شهد قطاع غزة خلال سنتي الحرب الإسرائيلية الأخيرة تدميرًًا شاملًا للإنســان ولكل عناصر بيئته الحيوية. ورغم توقف الحرب، في أكتوبر/تشــرين قـ ًا لاتفاق وقف اتفاق النار، لم تتوقف المأســاة، واســتمرت � ، وف 2025 الأول معاناة أهالي القطاع على جميع المســتويات. من جهتها، اســتمرت إسرائيل في قتل السكان، ومنع دخول الإغاثة، واحتلال أكثر من نصف مساحة القطاع. في التي تشــمل تشــكيل هيئة " خطة ترامب للسلام " ظل هذه الظروف، بدأ تنفيذ تكنوقراط فلســطينية، ومجلس سلام عالمي، وقوة اســتقرار دولية، وانســحاب قــوات الاحــتلال، وإطلاق عملية إعــادة إعمار غزة. فيما يلــي، رصد لاتجاه ، عبر قراءة في اتفاق وقف 2026 الأحداث في غزة وتطور مساراتها خلال سنة إطلاق النار وسط تباين مقاربات الأطراف المعنية وتفسيراتها، وبحث ما يترتب عن ذلك من سيناريوهات سياسية وأمنية. القسم الأول: تحولات غزة بعد عامين يركز القسم الأول من هذا التقرير على الوضع الذي انتهت إليه غزة بعد الحرب، للوقوف على أهم التحولات التي شهدها القطاع. مقاربــات متباينــة لمآلات الحرب: توقفت الحرب الواســعة على غزة في ظل تباين في مطالب الأطراف المنخرطة في الحرب مباشــرة أو بصفة غير مباشرة. وتعود هذه التباينات إلى الاختلاف في تعريف كل طرف لطبيعة الحرب وأهدافها النهائية. تتصدر واشــنطن المشهد في غزة بعد وقف إطلاق النار، خصوص ًًا بعد أن دفع ليشرف على الهيئات التي " مجلس السلام " الرئيس، دونالد ترامب، إلى إنشــاء

25

ستدير قطاع غزة خلال مرحلة ما بعد الحرب. وتنظر واشنطن إلى وقف الحرب بوصفه مدخلا لإعادة ترتيب الإقليم سياسيًًّا واقتصاديًًّا، وفتح مسار جديد للسلام، لاســيما بين إســرائيل والســعودية، مع ضبط أزمة غزة بما لا يعرقل أولويات واشنطن الإقليمية ومسار التطبيع. أما حســابات حكومة بنيامين نتنياهو فتقوم على التوســع في قضم أراضي غزة، وتوســيع هيمنتها الأمنيــة على ما تبقى منها، وجعل غزة بيئة طاردة للســكان. فالتهجير هدف مركزي لهذه الحكومة، ولليمين الإسرائيلي عمومًًا. لذلك يركز نتنياهو على إدامة الحرب بأشــكال متعددة وإدارة مفاعيلها الأمنية والسياســية، لتحقيق هذه الأهداف. ولم يقبل بمشاركة أطراف إقليمية ودولية في إدارة القطاع ا جاهزًًا في بعد نهاية الحرب إلا مُُكرهًًا. ولا يزال يعمل على إبقاء إسرائيل بديلًا حال تراجع مسار التدويل، وأن تكون إسرائيل الفاعل الأساس، وحتى الوحيد، في غزة. ومن المرجح أن يستمر هذا التوجه مع نتنياهو ومع أي حكومة تخلفه. على الصعيد الفلســطيني، تتباين المقاربات بين الســلطة الفلســطينية من جهة، وحماس وفصائل المقاومة من جهة أخرى. فأولويات المقاومة تتمثل في وقف الحرب نهائيًًّا والقبول بإدارة محلية للقطاع تقودها هيئة فلسطينية من التكنوقراط، الذي يرأســه ترامب. وهذا النهج " مجلس السلام " ولــو كان ذلك تحت إدارة يهدف إلى تقليل الخسائر وإعادة الحياة إلى غزة، وإفشال مساعي إسرائيل الرامية إلــى التهجيــر أو فرض الهيمنة المطلقة على القطــاع أو اقتطاع أجزاء منه. أما السلطة الفلسطينية، وإن كانت تتشارك بقية الفصائل في رفض أهداف إسرائيل، فإنها تســعى إلى العودة إلى غزة بشــروطها الخاصة، واستعادة دورها السياسي ا. غير أن هذا المســعى يواجه عائقين أساسيين؛ أولهما: اشتراط والإداري كاملًا مجلس السلام إدخال إصلاحات على الســلطة قبل أي بحث في مســتقبلها في القطاع. وثانيهما: اســتمرار امتلاك حماس لقدرة عســكرية مؤثرة؛ ما يجعل أي عودة للسلطة مشروطة بالتفاهم معها. وتتباين كذلك مواقف الدول العربية والإسلامية المعنية بغزة، سواء في علاقتها بكل من بواشنطن وإسرائيل، أو في رؤيتها لأزمة غزة والقضية الفلسطينية. فبعض هذه الدول يركز على تثبيت التهدئة والبناء عليها، إما بحثًًا عن تســوية ممكنة، مثل ســوريا، أو للحؤول دون انفجار الإقليم كما يرى بعض دول الخليج. أما

26

البعض الآخر فيدفع نحو مســار سياســي قد يتجاوز مركزية القضية الفلسطينية، كمــا هي بعــض نماذج الاتفاقيات الإبراهيمية. وهناك أطراف تحصر دورها في الجانبين، الإنســاني والأمني، أو في أحدهما فقط كما هو شــأن بعض الدول الإسلاميــة. يعكــس هذا التباين غياب إطار عربي أو إسلامي جامع للتعامل مع الحرب ومآلاتها، ما يزيد من هشاشــة أي ترتيبات لاحقة. ولا يقتصر الخلاف على ترتيب الأولويات، بل يمتد إلى تعريف جوهر الصراع نفسه. فبينما تتعامل بعض الأطراف مع حرب غزة بوصفها أزمة أمنية أو إنسانية قابلة للاحتواء، ترى أطراف أخرى أنها حلقة في مسار أوسع وأطول يستهدف إعادة تشكيل القضية الفلسطينية أو تصفيتها. تموضع جديد للمقاومة: أوقف اتفاق إطلاق النار الحرب نسبيًًّا دون إنهائها أو معالجة أسباب الصراع السياسية. في هذا السياق ركزت حركة حماس والفصائل الفلســطينية على إعادة التكيف مع نتائج الحرب، عبر إعادة تموضع عســكري وسياسي كما أعادت صياغة أهدافها. على المســتوى العسكري، تعمل المقاومة على إفشــال هدف إسرائيل المعلن بتفكيكها أو اســتئصال سلاحها، عبر الحفاظ على ما أمكن من قدراتها القتالية قـ ًا للظروف، من خلال التعبئة والتجنيد وإعادة التنظيم وفق المتاح والحفاظ � وف على حد أدنى من التســلح، بانتظار اســتكمال مراحل الاتفاق بما يلبي شروطها الأساسية. سياسيًًّا، أنهت المقاومة المرحلة الأولى بغلق ملف تبادل الأسرى، ومن المفترض أن ينعكس ذلك تحســنًًا في الأوضاع الإنسانية في غزة دون أن يعني بالضرورة عــودة الحياة إلى طبيعتها. وأبدت حماس مرونة بالتنازل عن إدارة القطاع، ولم تســتبعد دور السلطة الفلسطينية في أية تسوية، كما لم تعارض عودتها إلى غزة رغم رفضها التنسيق الأمني مع إسرائيل. ويبدو أن هدف الحركة من هذه الخطوة المواءمة بين الصمود العسكري والحفاظ على حد من الشرعية السياسية لدورها داخل غزة، ولو بقدر يسمح لها بالاستمرار في المقاومة والتفاوض. لذلك، تحرص المقاومة على تثبيت خطوط حمراء، من أهمها رفض التنازل عن السلاح بما يؤدي إلى استئصالها أو إلغاء حقوقها الوطنية في الدفاع عن أرضها

27

وشعبها. فهي ترفض تسليمه إلى إسرائيل أو إلى جهة دولية، ولكنها تقبل، من حيث المبدأ، بتسليمه إلى مرجعية فلسطينية بوصفه مكسبًًا وطنًّيًا فلسطينًّيًا. بهذا التمييز، تسعى المقاومة إلى تأطير أي تنازل محتمل بوصفه اضطرارًًا وإجراء مرحليًًّا في قطاع غزة لا يمس جوهر الصراع ولا ينتزع شــيئًًا من حق الشــعب الفلسطيني في المقاومة ولا من بقية حقوقه المكفولة دوليًًّا. لذا، فإن أي تنازل ينبغي ألا يمس بمشروعها التحرري. من جهة أخرى، ترفض المقاومة أي وصاية دولية دائمة، أو أي ترتيبات قسرية على غزة، وتتمســك برفض التهجير وكل ما يؤدي إليه من إجراءات وشــروط. ويمكــن قــراءة قبولها بالهدنة بوصفه محاولة لتفــادي هذا المصير. إلى جانب ذلك، تحرص على تجنب الانجرار إلى مواجهة شــاملة جديدة، وهو ما يجعل مهمتها بالغة الصعوبة سواء في المقاومة أو التفاوض والصمود. المقاومة ومعركة الســردية: تبرز ســيناريوهات المقاومة غير العسكرية بوصفها أحــد مســارات التكيــف الموازية في مرحلــة ما بعد الحرب. وتشــمل تعزيز الصمود المجتمعي واســتمرار الالتفاف الوطني حول الحق الفلســطيني، سواء في فلســطين الانتدابية أم في مخيمات الشــتات والخارج. وتهدف إلى توسيع مجال العمل السياسي والفكري والثقافي وتكثيف المواجهة الإعلامية والرمزية. وتتضمن أيض ًًا الســعي إلى محاسبة إسرائيل بمسؤوليها السياسيين والعسكريين وجلبهم أمام القضاء الدولي. في هذا المســار، يلتقي الجهد الوطني الفلسطيني مع الجهود العربية والإسلامية والدولية، لاســيما من قبل الحقوقيين والمعنيين بفلسطين ومؤيدي حق شعبها في التحرر وتقرير مصيره. ا عن المقاومة المســلحة، لكن ليس من المتوقع أن تكون هذه المســارات بديلًا مــن المتوقــع أن تتراجع ظروف هذه الأخيــرة وإمكاناتها، خاصة المنظمة منها والتي كانت غزة حصنها الأخير. وسيسهم هذا التحول في تعزيز أشكال المقاومة الأخرى على مستوى واسع بهدف رفع كلفة الاحتلال وتقييد حركته السياسية، خاصة في ظل القيود المفروضة على العمل العسكري المباشر في سياق الهدنة أو الترتيبات الدولية اللاحقة.

28

ا لافتًًا في ميدان الســردية في هذا الإطار، شــهدت مرحلة ما بعد الحرب تحولًا والخطاب. فعلى الرغم من التفوق العســكري الإســرائيلي، أحرزت المقاومة مـ ًا نســبيًًّا في معركة الســردية، وقد عز ََّز ذلك مــن مصداقيتها � الفلســطينية تقد الدولية. في المقابل، اتُُّهمت إسرائيل بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، وتآكلت قدرتها على تســويق حربها بوصفها دفاعًًا عن النفس. وانعكس ذلك في اتســاع نطاق التشــكيك الدولي في الرواية الإســرائيلية، وتصاعد الانتقادات الحقوقية والإعلامية، وتراجع هامش التعاطف التقليدي مع إســرائيل، لاســيما في الرأي العام الغربي. واجهت السردية الإسرائيلية صعوبات متزايدة في الحفاظ على تماسكها، نتيجة التناقض بين الخطاب الرسمي لإسرائيل وممارسات آلتها الحربية على الأرض، وما كشفته الحرب من فجوة بين القوة العسكرية والشرعية الأخلاقية. واللافت أن هذا التقدم الذي أحرزته المقاومة على مستوى صراع السرديات بقي محدودًًا في تأثيره على أروقة القرار السياسي في الغرب. فقد عملت إسرائيل، بدعم غربي رســمي، على تعويض خسائرها في الســردية عبر أدوات القوة الصلبة والدعم الدبلوماســي؛ ما جعل معركة الســردية عنصرًًا مؤثرًًا لكنه غير حاسم بمفرده في تحديد مآلات الحرب، لاسيما على المدى القريب والمتوسط. ولكن ما تحقق يشي باستمرار تأثيره وتعاظمه على المدى البعيد. ومن المرجح أنه كلما تقدمت المفاوضات واقتربت حرب غزة من نهايتها، زاد تركيز إســرائيل على معركة السرديات، سواء في الغرب أو في محيطها العربي. وقــد تتحول هذه المعركة إلى مســار رئيســي في إســتراتيجيتها تبعًًا للظروف والمستجدات. فهي تدرك أن أي تراجع في روايتها لا يقل خطورة عن خسائرها . " عملية طوفان الأقصى " الأخرى التي خلََّفتها التدويل والسلطة الفلسطينية: جاء مشروع التدويل لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، ا في اليوم التالي. وقدمت لأن إســرائيل لا تريد في غزة واقعًًا فلســطينًّيًا كاملًا ا سياسيًًّا جذريًًّا واشــنطن هذا المشــروع بوصفه آلية دولية لإدارة القطاع لا حل ًّا في إطار تسوية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

29

ولكن، في غياب توافق فلسطيني داخلي، ورفض فصائل المقاومة لأي ترتيبات تنتقــص من الســيادة أو تحو ِِّل القطاع إلى كيان خاضــع لإدارة خارجية دائمة، تبقى فرص نجاح هذا المســار أمنًّيًا وإداريًًّا في تحقيق اســتقرار حقيقي في غزة محدودة. كما أن لإسرائيل أجندة مختلفة تمامًًا تقتضي أن ينتهي مسار التدويل بســيطرتها على كل القطاع أو أن تتقاســمه مع الفلسطينيين. فمجلس السلام لا يملك الشــرعية الكاملة لتكون قراراته بديلة عن الأمم المتحدة، رغم أن عمله يتداخل مع عمل وكالاتها الدولية المتخصصة. في كل الأحوال، سيكون تدويل إدارة القطاع أقرب إلى أداة لإدارة أزمة غزة لا لتسويتها، وقد يتحول، في وجه مــن وجوهــه، إلى توطئة لإدامة الاحتلال وإنهاء أي مظهر من مظاهر الســيادة الفلسطينية. ينطلق التوج ُُّه نحو التدويل، من فرضية مفادها أن الســلطة الفلســطينية بصيغتها الراهنة تحتاج إلى إصلاح قبل إعادة دمجها في ترتيبات غزة. غير أن الإصلاح، كما يُُطرح دوليًًّا، لا يستهدف إعادة بناء الدور الوطني أو السياسي للسلطة، بقدر مــا يركز على إعادة هيكلتها إداريًًّا وأمنًّيًا وماليًًّا بما يجعلها مؤهلة للاندماج في الترتيبات الجديدة التي لن تخرج، في نهاية المطاف، عن الشــروط الإسرائيلية. تشــير هذه المقاربة إذا ما اســتمر اعتمادها، إلى أن الاتجاه المرجح في التعامل الدولي مع السلطة الفلسطينية، سيكون بوصفها أداة وظيفية في إدارة القطاع، لا ا لمشروع سياسي وطني جامع. يتقاطع هذا التوجه مع رؤية إدارة بوصفها حاملًا ا من حل سياسي شامل ومكلف. وترى شـ ًا بدلًا � ترامب التي تفضل اســتقرارًًا ه في التدويل وسيلة لتخفيض الكلفة والحد من المخاطر في غياب كامل لمشروع الدولة الفلسطينية. ا مركزيًًّا عن فــي هــذا الإطار، يفتح الحديث عن مآل الحرب على غزة ســؤالًا مستقبل السلطة الفلسطينية ودورها في مجمل النظام السياسي الفلسطيني، لا في ا من تآكل في القطاع وحده. فالسلطة تدخل مرحلة ما بعد غزة وهي تعاني أصلًا ا عن شــرعيتها الشعبية، وضعف في قدرتها على تمثيل المشروع الوطني، فضلًا كونها مقيدة باعتبارات أمنية ومالية خارجية بدرجات متفاوتة. وفي حال عودتها إلى غزة، ضمن ترتيبات مشــروطة أمنًّيًا أو دوليًًّا، ســتجد نفســها أمام معضلة

30

مزدوجة، إما القبول بدور إداري محدود منزوع الأفق السياسي، بما يفاقم أزمة شرعيتها، أو رفض هذه الصيغة فيجري إقصاؤها الكامل عن ترتيبات الحكم في غزة ومواصلة إضعافها سياسيًًّا. ويزيد من تعقيد موقف السلطة أن إسرائيل تضغط باتجاه حصر دورها في الجوانب الخدمية بعيدًًا عن أي دور سياسي أو سيادي. القسم الثاني: اتجاهات الأزمة ومهددات الاستقرار يتناول هذا القســم اتجاهــات الأزمة في غزة ويبحث في مهددات الاســتقرار ، في ضوء اتفاق وقف إطلاق النار، والحســابات الإســرائيلية 2026 خلال عام والأميركية، وتداخل الأجندات الإقليمية. من وقف إطلاق النار إلى إدارة الصراع: قام اتفاق وقف إطلاق النار على مقاربة " متضررًًا أمنًّيًا " بوصفه " طمأنته " أميركية تركِِّز على استرضاء الطرف الإسرائيلي و وليس قوة احتلال. في حين فرض على الطرف الفلسطيني التكيف مع المطالب الإســرائيلية والأميركية. وليس واضح ًًا كيف ســيؤدي الاتفاق إلى إنهاء الحرب بشــكل حاســم، مع الإبقاء على أسباب الصراع الأساسية دون معالجة سياسية. يظهر ذلك في الشق الإنساني، حيث تبقى إسرائيل جزءًًا من معادلة التحكم في حاجات غزة الإنسانية، إلى جانب استمرار الاستهداف العسكري الإسرائيلي غير المبرر لسكان القطاع. بهذا المعنى، تحولت الهدنة عمليًًّا إلى استمرار للحصار بأدوات أقل كلفة، وإلى إطار دولي لاستمرار الحرب بوتيرة منخفضة. واشــنطن وحدود الضغط على إســرائيل: لم تضع واشــنطن ضغطًًا كافيًًا على إســرائيل لإجبارها على تسريع تنفيذ الاتفاق، ويمكن تفسير ذلك بثلاثة عوامل رئيسية مترابطة. العامل الأول هو التباطؤ الإسرائيلي المتعمد في تنفيذ التزاماته، وتجاهل بعض بنود الاتفاق، انطلاقًًا من عدم قناعة الحكومة الإسرائيلية بمضامين الهدنة واعتبارها تتضمن تنازلات غير مرغوبة، خاصة بالنسبة إلى نتنياهو. إضافة الوضع في غزة، أو يكون " إدامة تدويل " إلى سعيها لتجنب أي مسار قد يقود إلى حاجزًًا أمام تحقيق أهدافها الكاملة. العامــل الثاني: يتصل ببطء الترتيبــات المتعلقة بالمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. فمجلس السلام يعد طرحًًا جديدًًا من خارج السياق الأممي، ومن

31

خارج ديناميات التسوية المعروفة في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وقد تشك ََّل وفقًًا لنتائج موازين القوى والوقائع على الأرض. ويبقى العنصر الأهم في هذه المرحلة، مطالبة إســرائيل بنزع سلاح المقاومة. ومن المتوقع أن تبالغ إسرائيل في توسيعه وفي كيفية تنفيذه، لأن هدفها ليس التسوية بل الهيمنة وإعادة تشكيل واقع ما بعد الحرب بما يخدم مصالحها. أمــا العامــل الثالث، فيرتبط بالســياق الإقليمي؛ إذ لم تفصل كل من إســرائيل وواشــنطن مســار غزة عن باقي التطورات الإقليمية. فقد شنََّت إسرائيل الحرب . وليســت " حلفاء إيران " علــى غزة ضمن ســردية إقليميــة بوصفها حربًًا على واشــنطن بعيدة عن التعامل مع حماس خلال هذه الحرب وفق ذات المنطق. يضاف إلى ذلك أن إدارة ترامب تربط مستوى الضغط على إسرائيل بحساباتها الانتخابية والاقتصادية. وتســهم اعتبارات الطاقة في شــرق المتوسط في تعزيز هذا التوجه، الذي يتطلب حد ًًّا أدنى من الاستقرار؛ ما يدفع واشنطن إلى تغليب منطق ضبط الوضع في غزة دون الدفع نحو تسوية سياسية شاملة. إســرائيل وتغليب إدارة الأزمة على إنهائها: لم تســتطع إسرائيل تحقيق انتصار كامل في حربها على غزة، ولا تحقيق كل أهدافها، وفي مقدمتها تفكيك المقاومة وفرض معادلة أمنية حاســمة لصالحها. وقد دفع هذا العجز المؤسسة السياسية والعســكرية الإســرائيلية إلى ترســيخ نمط الحرب منخفضة الحدة والاحتلال الجزئي بوصفه الخيار الأكثر قابلية للاستمرار، والذي يمك ِِّنها من تحقيق أهدافها التي لم تحققها في حربها الشاملة. عََت َََّزَز هذا الاتجاه إسرائيليًًّا بفعل التناقض بين الإيقاع السياسي الأميركي، المرتبط باستحقاقات داخلية محددة التوقيت، والإيقاع العسكري الإسرائيلي، الذي يحتاج إلى زمن أطول لتحقيق نتائج ملموسة. وقد أدى هذا التناقض إلى تأجيل القرارات الكبرى المتعلقة بمســتقبل غزة بدل حســمها. ومن الواضح أن إسرائيل لا تبدو متعجلــة لإنهــاء الحرب، بل تســعى إلى الإبقاء على مفاعيلها ضمن مســتوى منخفــض، بهــدف تحقيق أكبر قدر من أهدافها المعلنة وغير المعلنة. ويأتي في مقدمة هذه الأهداف تكريس الفصل بين غزة والضفة الغربية، وجعل الحياة في غزة طاردة بما يتيح تقليص عدد ســكانها بصورة غير مباشرة، إضافة إلى تعزيز

32

ا عن تحويل القطاع إلى مخيم كبير احتمالات الاقتتال الداخلي الفلسطيني، فضلًا يدار إغاثيًًّا وأمنًّيًا بلا أفق سياسي. ويرتبط غياب الحافز الإسرائيلي لإنهاء الحرب أيض ًًا باعتبارات داخلية مباشرة. فــالإعلان عــن نهايتها من شــأنه أن يفتح ملفــات الخلاف داخــل المجتمع الإســرائيلي. من بين هذه الملفات المســؤولية السياسية والأمنية عم ََّا جرى في الســابع من أكتوبر/تشرين الأول، والأزمات البنيوية التي سبقت الحرب وأدت إلــى توترات اجتماعية مرتبطة بصعود اليميــن المتطرف، وهوية الدولة وطبيعة النظام السياسي. كما أن حكومة نتنياهو، القائمة على ائتلاف هش، تبقى مهددة بالانهيــار في ظل أزمة تجنيــد الحريديم، واحتمالات الذهــاب إلى انتخابات ا عن اســتمرار القضايا الجنائية المرفوعة ضد نتنياهو شخصيًًّا بتهم مبكرة، فضلًا الفساد. في هذا الإطار، يمكن فهم لجوء نتنياهو المتكرر إلى تصعيد العمليات العســكرية في غزة وفي الضفة وعموم المنطقة، أو التهرب من الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، بوصفه أداة لإدارة أزماته الداخلية أكثر منه خيارًًا أمنًّيًا خالص ًًا. اســتمرار تغليب التعامل مع غزة 2026 مآلات الوضع في غزة: يُُتوقََّع في عام بوصفها ســاحة لإدارة الصراع وضبطه أكثر من السعي لتسويته. فالهدنة الحالية مرشحة للبقاء في حالة هشاشة تتيح لإسرائيل الحفاظ على مستوى من التحكم الأمني دون تحمل كلفة الحسم السياسي أو العسكري. وتبقى غزة مفتوحة على السيناريوهات الثلاثة التالية: الســيناريو الأول: عودة الحرب الواســعة في حال تغير المعطيات الإقليمية أو الدولية، لاسيما إذا رأت إسرائيل أن البيئة الإقليمية والدولية باتت أكثر ملاءمة، فــي ظــل حكومة يمينية ليس لديهــا تعريف نهائي لقوة الــردع واعتادت إدارة الضغوط الداخلية عبر التصعيد العســكري. في هذا السيناريو، ستكون المقاومة في مواجهة مفتوحة مع الاحتلال بكلفة أمنية وإنسانية وسياسية مرتفعة. الســيناريو الثاني: اســتمرار الاحتلال الجزئي للقطــاع وإدامة الحرب منخفضة الحدة، بما يســمح لإسرائيل بإدارة الصراع دون تحمل تبعاته السياسية الكاملة، لكنها ســتتحمل كلفة الاستنزاف البطيء. هذا الســيناريو هو القائم حاليًًّا، وهو الذي يدفع المقاومة للســعي عبر الدول الضامنة إلى إلزام إســرائيل بتنفيذ بنود الاتفاق.

33

أما الســيناريو الثالث، فســينبني على تجربة مجلس السلام، الذي من المفترض أن يصل إلى تسوية للحرب بشروط ترضي مختلف الأطراف وإن بتفاوت. إلا في ظل التحديات التي ســتواجه عمل 2026 أن ذلك مســتبعد التحقق خلال المجلس؛ فالظروف الإقليمية والدولية لا تزال متوترة، وقد يفضي السياق الراهن إلى تجزئة القطاع عمليًًّا، ليكون أمام ترتيبات إدارية وأمنية متعددة، بحسب تعدد أدوار الفاعلين الأساســيين: إســرائيل والقوة الدولية والمقاومة. وهذا المســار سيخفف عن إسرائيل عبء السيطرة المباشرة على القطاع، لكنه سيفتح المجال أمام أشــكال مقاومة محلية أقل مركزية وأكثر مرونة، مع اســتمرار نمط الحرب الإسرائيلية منخفضة الحدة، أو حدوث تدخل عسكري محدود يرسخ سيطرتها على ما استطاعت من مساحة القطاع. الامتداد الإقليمي ومخاطر الانفجار: لا تزال الهدنة تتأثر مباشرة بسعي إسرائيل إلى استثمار تداعيات الحرب على غزة في ساحات إقليمية أخرى، عبر استمرار التصعيــد في لبنان واليمن وإيران وســوريا. ويصعب مع هذا التداخل تحصين الهدنة من الخروقات أو الانهيار ما لم تعد غزة إلى ســياقها السياســي الطبيعي، بوصفها جزءًًا من القضية الفلســطينية ومــن عملية سلام متوقفة، وما لم تعالََج الأزمات الإقليمية المتصلة بها. فــي هذا الإطار، تكتســب أدوار كل من قطر وتركيا ومصر والســعودية أهمية خاصة. فقد أدََّت قطر، ولا تزال، دورًًا محوريًًّا في الوســاطة، دون التخلي عن إعلان انحيازها للحق الفلســطيني، وتعريض أمنها للانتهاك من قبل إســرائيل. وتســتفيد تركيا من مكانتها الإقليمية وثقلها المتزايد ومن علاقة الرئيس رجب طيب أردوغان الجيدة مع الرئيس ترامب، لزيادة الضغط على إسرائيل وإلزامها باســتمرار التهدئة. أما القاهرة، فتركز، بحكم الجغرافيا والدور التاريخي، على تثبيت التهدئة ومنع الانهيار الأمني في القطاع. وتتعامل مع القطاع بوصفه ملفًًّا ا باســتقرارها الداخلي، وتتعامل بحذر مــع أي ترتيبات دولية أو إقليمية متــصل ًا تتجاوز دورها التقليدي في غزة. في المقابل، تنظر الرياض إلى غزة ضمن إطار أوســع لإعادة بناء الإقليم. ويعكس موقفها من الحرب شــروطها السياسية لأي مسار يستأنف التطبيع مع إسرائيل، وعلى رأسها وقف الحرب وفتح أفق سياسي

34

ا محوريًًّا في حســابات واشنطن، التي تريد للقضية الفلســطينية؛ ما يجعلها فاعلًا ضبــط التوتر في غــزة والمنطقة دون الإضرار بمصالحها الاقتصادية وتحالفاتها الإقليمية والدولية. البعد الديمغرافي بوصفه تهديدًًا بنيويًًّا: يمثل التحكم في الديمغرافيا الفلســطينية أحد الأهداف الضمنية للحرب الإســرائيلية على غزة. فقد أسهمت الحرب في تحويــل القطاع إلى بيئة طاردة للســكان وغيــر قابلة للحياة، من خلال ارتكاب الإبادة والقتل الجماعي، واســتمرار الحصار الممنهج، والتدمير الواســع للبنى التحتية، وتعطيل أبســط المرافق والخدمات الأساسية. يترافق ذلك مع استمرار الضغــوط لدفع الغزاويين إلى الهجرة القســرية أو التهجير الصامت. ورغم أن هذا المســار لا يشك ِِّل سياســة معلنة، إلا أن إسرائيل تدفع باتجاهه عبر التراكم التدريجي والبطيء وإدامة الأسباب التي تجعل من غزة مكانًًا لا يمكن الاستقرار ، فــإن تداعياته الديمغرافية 2026 به. وفي حال ترســخ هــذا الواقع خلال عام ســتتجاوز حدود القطاع، لتستهدف مجمل التوازنات السياسية المرتبطة بالقضية الفلسطينية. خاتمة إن توقف الحرب الواســعة لا يشــير إلــى اقتراب نهاية الصراع الفلســطيني- الإســرائيلي، بل يؤكــد انتقاله إلى مرحلة أكثر تعقيــدًًا، تتراجع فيها احتمالات الحســم السياســي مقابل تعزيز منطق إدارة الصراع بصورة مؤقتة. وخلال عام ، يُُرج ََّح أن تبقى غزة ســاحة تجاذب مفتوحة بين ثلاثة مســارات متجاورة 2026 ومتنافسة: مسار مقاوم يسعى إلى منع التصفية السياسية للقضية الفلسطينية وفك الحصــار علــى القطاع في ظل تزايد التضييق عليه. ومســار احتلال يعمل على تعميق تفكيك الجغرافيا والتمثيل الفلســطيني، مســتفيدًًا من الجمع بين التمدد الاســتيطاني وتوســيع اتفاقات السلام مع المزيد من الدول العربية والإسلامية. ، يخدم أولويات الاستقرار " بوابة السلام " ومسار إقليمي دولي تقوده واشنطن عبر الإقليمي وإعادة ترتيب التحالفات بما يحقق مصالحها السياسية والاقتصادية في المنطقة، دون أن يعني ذلك بالضرورة إنهاء الحرب على غزة نهائيًًّا، أو إطلاق مسار سلام حقيقي يضمن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

35

وفي ظل غياب أفق سياســي واضح وقابل للتحقق، تزداد مؤشــرات هشاشــة الوضع في غزة؛ حيث تتقاطع هدنة قابلة للانهيار، وإعمار مشــروط ومســيس، مع اســتمرار التدخل العسكري الإسرائيلي خاصة على الصعيد الأمني. ويجعل مرشح ًًا لأن يكون امتدادًًا لأزمة مفتوحة واستقرار هش 2026 هذا المســار عام وقابل للاختراق، وتنطوي على مخاطر قد تتجاوز غزة نفســها، لاســيما إذا ما استمرت إسرائيل في استغلال لحظة السابع من أكتوبر لترميم قدراتها الردعية. وبالنســبة إلى مســتقبل المقاومة الفلسطينية، فإن الاستثناء العسكري الذي مثََّلته غزة وشك ََّل رافعة للقضية الفلسطينية بعد أن تراجع الاهتمام بها، يبدو الآن في طور الانحسار. مع ذلك، سيستمر تقدم السردية الفلسطينية المناهضة لإسرائيل ا استيطانيًًّا، بالتوازي مع استمرار ا عن كونها احتلالًا بوصفها نظامًًا عنصريًًّا، فضلًا المقاومة الفلسطينية الشعبية المنظمة والعفوية بأشكال وصيغ مختلفة. ولا يعني ذلك، أن التوافق الفلسطيني على مشروع وطني بات أسهل من قبل، لأن تداعيات الحرب الحالية أضافت عوامل جديدة للاختلاف والانقســام. ويبدو أن النقاش حول ثنائية المقاومة والتســوية الســلمية سيعود مرة أخرى وبحدة أكبر، مدفوعًًا أيض ًًا بالخلافات العربية والإقليمية.

36

Page 1 Page 2 Page 3 Page 4 Page 5 Page 6 Page 7 Page 8 Page 9 Page 10 Page 11 Page 12 Page 13 Page 14 Page 15 Page 16 Page 17 Page 18 Page 19 Page 20 Page 21 Page 22 Page 23 Page 24 Page 25 Page 26 Page 27 Page 28 Page 29 Page 30 Page 31 Page 32 Page 33 Page 34 Page 35 Page 36 Page 37 Page 38 Page 39 Page 40 Page 41 Page 42 Page 43 Page 44 Page 45 Page 46 Page 47 Page 48 Page 49 Page 50 Page 51 Page 52 Page 53 Page 54 Page 55 Page 56 Page 57 Page 58 Page 59 Page 60 Page 61 Page 62 Page 63 Page 64 Page 65 Page 66 Page 67 Page 68 Page 69 Page 70 Page 71 Page 72 Page 73 Page 74 Page 75 Page 76 Page 77 Page 78 Page 79 Page 80 Page 81 Page 82 Page 83 Page 84 Page 85 Page 86 Page 87 Page 88

Made with FlippingBook Online newsletter