مجلة تُراث عدد 280 - فبراير2023

سيرة الذاكرة

خليل عيلبوني هذا العدد الذي يبدو متواضعا الآن، يمثل ثلث سكان ألف نسمة· ومع أن هذه 300 الإمارات، في ذلك الوقت كان نحو الإحصائيات كانت تميل إلى تضخيم العدد، فإن الحقيقة تظل برغم هذا التضخيم تبين أن السكان، مقارنة بعددهم الآن، كان يمكن جمعهم جميعا في ساحة عامة أومسجد كبير· وهذا ما جعلني أشعر بعد أيام من إقامتي في أبوظبي أن كل سكان المدينة يعرف بعضهم بعضاً، ويترابطون إما من خلال العمل المشترك أوالتعارف والتلاقي بعد انتهاء الدوام الرسمي، فلا يكاد وافد جديد يصل إلى المطار حتى تكون أخباره قد وصلت إلى معظم سكان المدينة وحتى يكونوا قد تسارعوا للتعارف وتقديم ما قد يحتاجه من خدمات ومساعدات. الجو الحميم وكان هذا الجو الحميمي الرائع ينعكس من خلال الزيارات بين العائلات، فلا تمرليلة دون أن يكون هناك لقاء بين الأصدقاء أو الأقرباء لا فرق بين مواطن ووافد، حتى كدت أتخيل أن جميع سكان أبوظبي في ذلك الوقت ليسوا إلا عائلة واحدة. وأعتقد أن الأمرنفسه كان في بقية الإمارات، فقلة عدد السكان من جهة، ومشاعر المحبة التي غمرت الجميع من جهة أخرى، جعلا سكان كل مدينة يشعرون أنهم أسرة كبيرة. وعلى الرغم من إدراكي أن التطور الذي حدث ووصول عدد السكان الآن إلى ما يزيد على ستة ملايين نسمة كان أمرا طبيعيا بل وضروري، وأن الدولة قد وصلت إلى مستوى الدول الكبيرة القوية، فإنني أتمنى، في الوقت نفسه، ألا تغيب ظاهرة المحبة والترابط التي لقيتها في زمن البدايات، فهي ظاهرة صحية وحضارية ونحتاج إليها في )10( ذكريات زمن البدايات رحلة صيد في المياة القريبة من أبوظبي

خليل عيلبوني

مسيرتنا الحالية المباركة· وإذا كان عدد السكان في ذلك الوقت قليلا مقارنة بعدد السكان الآن، فإنه كان أقل مقارنة بمساحة ألف كيلومترمربع 80 الأراعضي، فمساحة أبوظبي تصل إلى حوالي ويبلغ عدد جزرها نحومئتي جزيرة. البحر الكريم معظم تلك الجزر كانت بلا سكان، ولم يكن مثيرا للدهشة أو الاستغراب أن نلجأ إلى إحدى هذه الجزر بعد رحلة صيد في المياه القريبة من أبوظبي، وننصب فيها خيمة، أوننام على رمالها ونتجول فيها طولا وعرضاً، فلا نرى إلا طيور (اللوه) ببيضها المنتشر على رمال الشاطئ وفراخها الصغيرة التي تنتظر امتلاء الأجنحة بالريش لتبدأ الطيران وتعتمد على النفس في جمع غذائها من أسماك البحرالصغيرة. في إحدى هذه الرحلات مع الأخ عيد الظريف، هبت على زورقنا الصغيررياح الشمال، وأقرب جزيرة كانت أمامنا هي جزيرة «صير بونعير»، فلجأنا إليها في اللحظات الأخيرة وعشنا ثلاثة أيام نأكل بيض (اللوه) ونتقاسم مياه الشرب القليلة التي كانت معنا، وندافع عن زورقنا بوضعه في ملاذ آمن من الرياح حتى لا يتحطم، وعدنا بفضل الله وخبرة الأخ عيد الظريف بميكانيك إصلاح ماكينات القوارب بأمن وسلام إلى جزيرة أبوظبي ومعنا من خيرات

100

رحلة صيد في المياه القريبة من أبوظبي ) 10( ذكريات زمن البدايات

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online