مجلة تُراث عدد 280 - فبراير2023

البحر والجزيرة ما لا يمكن أن ننساه. جزيرة «صير بونعير» أو جزيرة «القواسم» لم تعد جزيرة غيرمأهولة الآن، وتكاد لا توجد حتى جزيرة واحدة غير مأهولة، بل إن إمارة دبي قامت وتقوم بإنشاء جزر جديدة في بحرنا المعطاء، وفوقها قامت المساكن الفخمة التي اجتذبت أغنياء العالم إليها وهذا ما حدث أيضا لـــ «السعديات» التي كنا نصل إليها بالزوارق لقضاء يوم جميل على شواطئها الساحرة، وتداخل البحر باليابسة فيها وتشكيل شجرة القرم مع بعض التداخلات المائية ما يشبه الواحات في الصحراء، فقد استطاع هذا النوع من الأشجار أن ينبت ويترعرع في المياه المالحة. لم يكن يمر علينا أسبوع واحد دون أن نصل بزوارقنا ذات المحركات الصغيرة إلى واحدة من جزر أبوظبي القريبة، وفي كثير من الأحيان، كنا نبيت فوقها، أسرتنا الرمال ومجالسنا السمر والتجمع حول النار التي كنا نجمع لها بعض الأعواد والأخشاب التي ألقت بها الأمواج على شاطئ تلك الجزيرة، وفوق الجمركنا نقوم بطهي عشائنا الذي يتكون عادة من الأسماك التي نصطادها ومن الأرز الذي نحضره معنا. كانت الليالي تمر قصيرة، بفعل السعادة التي تغمر جميع المشاركين في هذه الرحلة وكانت المجموعة التي شاركتها في هذه الرحلات الجميلة تضم شبابا من أبناء أبوظبي مثل عيد الظريف وعبدالله النويس، وشبابا من البلاد العربية الأخرى من: العراق والأردن وفلسطين ولبنان ومصر. عندما أعود إلى بعض الصور القديمة، أستعيد تلك الرحلات

الجميلة، وأستعيد المغامرات التي كانت تنتهي دائما بسلام، وأسأل نفؠسي: هل يمكن أن أقوم بمثل تلك المغامرة الآن على الرغم من كل التطور الذي حدث سواء بالنسبة للزوارق وقدرتها على مقاومة الأمواج والعواصف، أو بالنسبة لنظام الاتصال الذي يجعل الاستغاثة تصل إلى رجال الإنقاذ في خفر السواحل بزمن قيا؟سي قصيرويكون الإنقاذ بعد ذلك مؤكدا ومضموناً، ولا أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال ــــــ «نعم» من السهولة بمكان، أو أن هذه النعم تأتي بلا تردد، الآن بعد غربة عن البحر طويلة وبعد أن أثقلت سنوات العمرهمة الجسد وبعد أن امتلأت جزر أبوظبي بالعمران والحضارة فإن الرحلة البحرية التي يمكن أن أقوم بها لن تكون أكثر من نزهة بسيطة لا أبتعد فيها كثيرا عن شاطئ أبوظبي الجميل. الآشيء الذي يشعرني بالندم الآن، أنني لم أكن أسجل تلك الرحلات بالصوت والصورة، وكان بإمكاني أن أفعل ذلك بحكم أن مثل هذه التسجيلات كانت تدخل في صميم عملي معدّا ومقدّما لبرامج تليفزيونية، ولكننا في ذلك الوقت، كنا نمارس الحياة ولم نعتقد ونحن في خضم هذه الممارسة أننا سنكون بحاجة إلى تسجيل خفقات قلوبنا وبسمات شفاهنا للأجيال القادمة التي نريدها أن تعرف أبعاد تجربتنا في هذا الوطن الجميل، لعلّها تكون نافعة ومفيدة، لذلك أردّد اليوم بأسف حقيقي ما قاله الشاعر : فأُخْبِــرُه بِمَا فَعَــــــــــــل المَشِـــــــــيب ألا لَيْت الشَّبــــــــــاب يَعُود يَوْمـــــــا * إعلامي وشاعر

101 2023 فبراير 280 / العدد

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online