مجلة تُراث عدد 280 - فبراير2023

استراحة النص

الذاكرة الطاقية لأجزائنا المتساقطة

يصعب تحديد المنحى الأول للمشترك الخرافي بين شعوب العالم، في كل الأزمنة وفي كل الظروف وعلى كل الأراعضي التي وطئها البشر، «كانت الأساطيرهي الطريق السري الذي عبره تنهمر طاقة الكون التي لا تنضب» على حد تعبيرجوزيف كامبل». منذ أزمنة بعيدة جدا تشاركت الشعوب وتشابكت في طريقة المنشأ والاعتقاد والاتباع وتجذير الميثيولوجيا وإعادة إنتاجها حتى في أبسط الحكايات والطقوس، إنها رمزية نابعة من إنتاج تلقائي للنفس. في هذه المادة أخصص كتابة ملاحظاتي عن كل طقس ذي صلة مباشرة ببقايا الأجزاء البيولوجية البسيطة من الإنسان، والعميقة في بُعدها الطاقي والمنتمية إلى مرحلة التغيير الجذري والانتقال أو التحول أو التخلص، منها: الشَّعْر والأظافر والأسنان المتساقطة. فعلى سبيل المثال: تشترك الشعوب في عدم استحباب إهمال ما قُص من الشعر والأظافر وما تساقط من الأسنان اللبنية عبر التخلص منها برميها لعنصر الهواء، سواء في الدروب الغامضة أوالطريق العام أوالسطح الأرعضي الذي يمثل موطأ قدم البشر، بل يُحرّم ذلك في بعض العقائد لأنها حسب زعمهم تمثل جزءا عميقا من متعلقات النعمة والامتنان والطاقة الروحية، والتخلص منها دون طقس تكريمي بالحرق أو الدفن في الماء أو التراب قد يؤدي إلى إصابة صاحبها بأمراض جسيمة، حسب العضوالذي انفصلت عنه البقايا الزائدة : الرأس / الفك / الأصابع ). ففي تلك المتخلصات الصغيرة الزائدة التي آلت إلى مرحلة الانتقال والرحيل عن الجسد قبل الجسد نفسه هي في حد ذاتها تحوي رموز باطنية تُلخص شفرات الجسد وأيقونته السرية. وقد اعتنقت الشعوب القديمة جدا معتقدا غريبا في ظاهره، غير أنه أقرب إلى المنطق العلمي: حيث إن تلك البقايا المتساقطة من شعروأظافروأسنان تحمل في مكنونها معلومات الطاقة عن صاحبها، وفي أي احتمال قد تقع في أيدي الخادعين أو الدَّجالين المشعوذين القادرين على استخدامها من أجل لعبة الظلام والقوة والغايات الشريرة في سلب الاختيارات البشرية من تقرير مصيرها! أقرأ ذلك في تعاليم (ألاترا) للمعلمة الروحية آناستازيا نوفيخ ضمن السلسلة الثانية من المعرفة الكونية، وتتداعى أمامي ذاكرة النشأة في بيتنا الجلفاري القديم في إمارة رأس الخيمة،

لولوة المنصوري باحثة وروائية إماراتية

الذي كثُرت جدرانه الخارجية والحوطة العتيقة بالفجوات، التي صارت هي الأخرى أشبه بخزَّان أو أدراج متفرقة تحوي في جوفها لفافات الأقمشة التي خزّنت ما تساقط من أسناننا اللبنية وقُص من شعورنا وأظافرنا! كانت الجدَّات في ذلك الوقت يتعاملن بصوفية وقداسة دينية غريبة مع كل ما له اتصال بأجسادنا وقد آن أوان انفصاله عنا، يجهزن قطعا صغيرة من الأقمشة ويلملمن ما تساقط وقُص بحرص وحذرشديدين ليحشينها في فجوات حوطة البيت أويقمن بدفنها في الفناء الترابي للمنزل! إن الأمرشبيه أيضا بطقس دفن سُرَّة المولود في الفناء الترابي للمساجد!، إذ حين تأتي مواسم الأمطار تجتث كل تلك السُرر المدفونة منذ أزمنة، وقد يجرفها السيل لعتبات الضفاف البعيدة . كن يفعلن ذلك وفق الموروث وما التقطوه من ذاكرة الوعي الجمعي، وكان ذلك متداولا بين أجيال من الجدّات والأمهات في الخليج. فانتُهِجت كالطقوس والتسليم والتوكُل لحقب زمنية متتالية. البُنية الطاقية لشَّعر الإنسان تذهب آنا ستازيا نوفيخ إلى كون البشر في العصور القديمة عرفوا عن مثل هذه العلاقة للشعرمع هيكل بنية الطاقة، والتي لم يستطع العلم الحديث أن يفهمها حتى الآن، وهو أن الشعر يحافظ على المعلومات الخاصة بشخص ما، والاتصال معه، ذكرا كان أوأنثى.

106 الذاكرة الطاقية لأجزائنا المتساقطة

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online