مجلة تُراث عدد 280 - فبراير2023

الابن الوحيد لمسلم، نصيبه منه، بموت أمه، وغياب أبيه حين تجرع تنمر وسخرية أقرانه، وحين وقع فريسة للتدخين، وحين انتهك معتد آسيوي جسده، فأورثه عطبا أوقع به «شاباً» في براثن الإرهاب. وهكذا كان الفقد دافعا لتحول أغلب الشخوص، ونافذة مررت الكاتبة منها رؤاها، حول طفولة الإنسان التي إن يبدأ بها العطب، يدوم حتى الموت، والتي تحمل وحدها أيضا تفسيرا لكل ما يحدث في مراحل العمر اللاحقة. كذلك اتسمت الشخصيات النسائية بالتحول على المستوى النفؠسي، إذ تحول شعور خدية من الحب الصاخب، إلى الانكسار. وتحولت ميرا من الولع بمسلم الثاني، إلى اللامبالاة. وقد أضفت هذه التحولات مزيدا من الدينامية على السرد، وزادت من حيويته. أما ترنح الشخوص وتأرجحها بين الخير والشر، فكان رافدا لصدقية وواقعية أحداث تلك الذاكرة الموازية، القائمة على متخيل يماثل في بعضه الحقيقي ويشبهه. كما كان وسيلة الكاتبة لزيادة جاذبية الشخوص، ودفع القارئ للتماهي معها وقبول أخطائها كطبيعة جُبلت عليها النفس الإنسانية. داخل النفس وخارجها هيمن الصراع على مفاصل السرد، ولعب دورا في تطور الأحداث، إذ احتدم على مستويات عدة، كان أهمها الصراع في العوالم الداخلية للشخوص، الذي كان وسيلة الكاتبة لسبرأغوارالنفس الإنسانية، المنقسمة بين الحب والكراهية، والتسامح والحقد، وبين الصفح والرغبة في الانتقام. أما الصراع في شكله الخارجي، فتخلل مواضع كثيرة من النسيج، وإن بدا كظلال في خلفية الأحداث، أشارت عبره الكاتبة، إلى حوادث عالمية، وإقليمية، ومحلية كبيرة، مثل الحرب في البريمي ضد المملكة المتحدة، سبتمبر، وغزو العراق، 11 وضرب برج التجارة العالمي في والهجمات الإرهابية لتنظيم داعش، وكذلك صعود اليمين في فرنسا، وأثره على المسلمين هناك. ومثلما امتد الفضاء الزمني

منهما نصيبا من العبقرية، ومن العمى والوحدة أيضاً. كما أبرزت تماثلا آخر بين لوحة شيلي «الأم العمياء»، والحياة التي تنظر للبعض وتبتسم لهم، في حين تهمل آخرين وتعبس في وجوههم. واستمرت في استدعاء التماثل، في مواضع متفرقة من النسيج، لاسيما بين ميرا التي وضعت ضمادة فوق إحدى عينيها، لتجرب نصف العمى، قبل أن ترسم لوحة لأطفال، ورجال، ونساء بعين واحدة، وبين سلفادور دالي، الذي جرب اللزوجة، عبر دهن جسده العاري بالعسل، ليرسم لوحة تحمل الشعور نفسه. وقد استخدمت «عبيد» لغة مشهدية، لم تجسد عبرها الشخوص والأحداث وحسب، وإنما جسدت ما يعتمل في دواخل الشخوص، من معاناة وهزال روحي، فجعلت للألم مظهرومذاق ورائحة. الحلم وسبر أغوار النفس اعتمدت «عبيد» تقنية الحلم، لسبر أغوار نفس الشخوص، واستجلاء هواجسها. ووظفت أثره في التمهيد للاحق من الأحداث، كما في حلم خدية التي رأت زوجها الميت، يمنحها عينا لابنها؛ لتستجلي عبر هذا الحلم حجم مخاوف الشخصية، واعتقادها الراسخ في لعنة تصيب الغواصين بالعمى، بعد أن يأخذ البحر بصرهم أولاً، ثم تنتقل اللعنة إلى زوجاتهم، وتفسرعبرهذا الحلم انصراف خدية عن زوجها الغواص، وتمهد أيضا لنصف العمى الذي سيصيب ابنها «مسلم»، وفقده إحدى عينيه في مرحلة لاحقة من السرد. وكما استفادت الكاتبة من الحلم، استخدمت تقنيات التناص مع الموروث الديني، لتعزيز جمالية النص، فاستدعت الحديث الشريف «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، وعمدت إلى تكراره، لتحيل إلى دلالة عكسية وتضفي مزيدا من الضبابية والغموض على شخصية خاطر. وكانت تلك الضبابية بمنزلة جسر دفعت عبره بالمزيد من التشويق. واستخدمت التكراركذلك، لفكرة مفادها، أن دموع الرجال إن ذرفوها، جفت وقصرت أعمارهم؛ لإبراز مدى قداسة دموع الرجل في الثقافة

للسرد، اتسع فضاؤه المكاني أيضاً، فاشتمل على الشارقة، فرنسا، واسطنبول، والهند. ومررت الكاتبة عبرفضاءاتها الممتدة، حمولات معرفية كثيفة، والكثير من الفلسفات والرؤى، حول عالم بعيد عن المثالية، فاستدعت بعض أسماء المبدعين الذين نالوا صفعات الحياة القاسية، وتجرعوا العجزوالحيرة، مثل الشاعر الكويتي «فهد العسكر»، والفنان إيغون شيلي. وأبرزت تماثلا بين كلتا الشخصيتين، إذ كان لكل

العربية، وقسوة الحجر على البكاء، إضافة إلى إنتاج مفارقات بين ماء بحر مالح يسقط فيه الرجل، فيحصد الغرق، وماء عين مالح يسقط منه فيأتيه بالموت! أما التكرار في عبارة «لعلها مزحة»، والتي اختارتها الكاتبة عنوانا للنص؛ فأحال إلى عبثية الحياة، وتجاوز أحداثها كثيراً، حدود المنطق وقابلية التصديق!

* كاتبة وصحفية مصرية

115 2023 فبراير 280 / العدد

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online