مجلة تُراث عدد 280 - فبراير2023

سوق الكتب

رواية تبحر بين الحاضر والماضي وتمزج الواقع بالتخييل لعلها مزحة.. صالحة عبيد تسبر أغوار النفس الإنسانية المأزومة بالتناقض والحنين

العرصة، إضافة إلى مفردات فلكلورية أخرى، مثل الفوالة، وهي المائدة التي طالما وشت بالكرم الإماراتي، وتعددت عليها أصناف من الأكلات المحلية، مثل «الهريس والجريش والبلاليط»، وكذلك الزي التقليدي «البرقع»، وبعض العادات الاجتماعية التي اندثرت، كجلوس العجائز أمام بيوتهن، تعبيرا عن رفضهن للأسفلت والإسمنت، إضافة إلى بعض المفاهيم التي اعتنقها القُدامى، ثم تغيرت بتغير الزمن، مثل المجاورة التي كانت تعني قديماً، شكلا من أشكال الروابط الأسرية، ثم باتت تحيل إلى مجرد تراص جغرافي، تغلفه قيود من التحكم الخانق، ومخاوف من القيل والقال، وأشكال من التمييز. وقد أذكى استدعاء التراث وما عقدته الكاتبة من مقارنات بين القديم والحديث؛ حالة من النوستالجيا والحنين إلى الماعضي «ما قبل اكتشاف النفط»، رغم ما وسمه من المعاناة والفقروشظف العيش، وبعض الظلم الواقع على المرأة آنذاك، التي إن حازت قسطا من التعليم قلت فرصتها في الزواج! وفي المقابل رصدت بعض سمات العصر الحديث، والتغيرات الكبيرة التي أحدثتها تكنولوجيا الاتصالات، وظهور شبكة الإنترنت، والهواتف المحمولة. كما رصدت أثر التطور التكنولوجي في إحداث فجوة كبيرة بين الأجيال، وتغذية تشعبت خيوط النسيج بين حقب زمنية مختلفة، وكانت شخصية «مسلم» قاسما مشتركا بينها. كذلك كان الفقد ثيمة رئيسية لها، فبينما فقد «مسلم» - صغيرا - أباه الغواص، الذي مات بالبحر بعد أن غفل عنه عمه، وكان سيبا له، فقد حضن أمه أيضا بعد أن تزوجها العم نفسه، ثم تزوج من حبيبته فحرمه منها، ثم حرمه من عائلته كلها حين غفلت عيناه، وسمحت لنيران سجائره أن تلتهم الزوجتين وكل الأبناء. وبعد رحيل العم إلى الهند، فقد «مسلم» إحدى عينيه، وكانت هذه الحالة من نصف العمى، لغزا استبقت به الكاتبة، وأرجأت تفسيره لمرحلة متأخرة من السرد، لتضخ عبره؛ جرعة كبيرة من التشويق، مكنتها من إحكام قبضتها على القارئ. استمر الفقد ثيمة رئيسية للنص ليأخذ «مطر» شعور كل جيل بالغربة عن الآخر. كل شيء يحدث في الطفولة

نشوة أحمد الدهشة ابنة شرعية للتناقض، والحياة لا تنفك تنتجهما معاً، حين تحمل في راحتيها ألوان من المتقابلات، حب ممزوج بالكراهية، سعادة مخضبة بالشقاء، ومجد تصنعه انكسارات.. مشاهد تألفها العين وتحفظها الذاكرة وينفث فيها الأدب، الحياة، كما في رواية «لعلها مزحة» للكاتبة الإماراتية صالحة عبيد، الصادرة عن دارالمتوسط - إيطاليا. مزجت الكاتبة بين الماعضي والراهن فسلكت طريقين للسرد، تدفقت الأحداث في أحدهما عبر نسق أفقي، بينما لجأت في الآخر لحيل التذكر والارتداد العكؠسي، مستعيدة عبر تقنية الفلاش باك، أحداثا وقعت في أزمنة بعيدة. فبلغت حقبة اعتمد خلالها الإمارتيون على الغوص، كمهنة أساسية لكسب الرزق. تلتها حقبة أخرى اندثرت فيها هذه المهنة، مع بداية اكتشاف النفط. ورغم التجول الحر بين حقب مختلفة في الماعضي، والمزاوجة بين السرد الذاتي، عبر صوت إحدى الشخصيات المحورية «ميرا»، وبين أسلوب الراوي العليم، انساب النسيج في سلاسة فريدة. والتأمت الأحداث في وحدة واحدة. الحديث والموروث بعد توطئة أرجعت الكاتبة عبرها أحداث الرواية إلى المخيلة. وأكدت من خلالها غلبة مساحات التخييل، إلا قليل. استهلت رحلتها السردية، بحوار مسرحي، لتنتهج أسلوبا مغايرا يعمد للولوج إلى قلب الحدث مباشرة. ويزيد من حالة الإيهام بآنية الحدوث. ومنحت فصول بنائها عناوين، تحيل معانيها إلى الحالة ذاتها من الانكسار، وعذابات الإنسان وآلامه، فتراوحت أبوابها بين الخدش، والشق، والتهتك، والبتر، والهدم... وجمعت منذ اللحظة الأولى للسرد، بين القديم المتمثل في الجدات، والراهن الذي يمثله الأحفاد. كما استدعت من التراث بعض الحكايات الشعبية ذات الطابع الأسطوري، مثل «أم الدويس وحمار القايلة»، وبعض المعالم التراثية في دولة الإمارات مثل سوق

114 لعلها مزحة.. رواية تبحر بين الحاضر والماضي وتمزج الواقع بالتخييل

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online