المكتبات الخاصة في الإمارات... مجالس للعلم وخزائن للمعرفة
بين التاريخ والأسطورة مكتبة بغداد
الفارسيين في تلك الحقبة بالإسلام دينا وبالعربية لغة إلا أن هذا لم يحل دون ظهور بعض أعمال أدبية باللغة الفارسية في خراسان شمال شرق إيران كما يشيرإلى أن بعض أفراد الحاشية العباسية يتحدثون اللغة اليونانية. ولعل انقلاب المأمون على أخيه الأمين فيما يرى المؤلف دفعه هو وأنصاره وحاشيته إلى تبني وتشجيع ثقافة نخبوية تمكنهم من طبع الخلافة العباسية بطابع جديد متميزعن كل ما سبقه تمثل في وحدة السلطة من حيث المبادئ والأفكاروالتوجهات. وكان رؤوس العمل التنفيذى والقضاة والولاة من رعاة العلوم والآداب والثقافة وبدا جليا إبان العهد المأموني الطابع النخبوي الفوقي الاستعلائي لثقافة البلاط العبا؟سي. فقد اصطدمت تلك الثقافة النخبوية بقيم الطبقة الوسطى المسلمة فضلا عن تعارضها السافرفي الغالب مع اعتقادات عوام المسلمين من غيرالمتعلمين . وقد تفاوت أخلاف هارون في رعايتهم للعلوم والآداب والثقافة فكان المأمون الأشد اهتماما والأكثرتأثيرا وفاعلية أما المعتصم العسكري النزوع فقد شيد مدينة «سامراء» لتكون عاصمة جديدة عدا اهتمامه ورعايته للأدباء والعلماء، وأتى بعدهما «الواثق» الذي حقق كخليفة درجة عليا من الإيمان بالفكر والجدل والإبداع والرغبة في تغيير الثوابت النقلية والسلفية ثم جاء المتوكل على النقيض من أسلافه الثلاثة فأظهر العداء لفكر المعتزلة وأعطى ظهره للعلوم الطبيعية والفلسفة وأعلن السلفية السنية مذهبا للخلافة والدولة والمسلمين كما عمل على تبسيط الأحاديث النبوية لتصبح في متناول الجمهور المسلم م أبدى كل 861 من غيرالمتعلمين. وبعد اغتيال المتوكل في عام من المستعين والمعتضد اهتماما كبيرا بعلم التاريخ وعلوم اللغة وبسطا ظل رعايتهما على النابهين من علماء عصرهم من أمثال «ابن دريد» و«الزجَّاج» عالمي النحو الأشهرين و«ثابت بن قرة» عالم الرياضيات والمترجم القديرو«ابن أبى الطيب السرخؠسي» الذي قام بتلخيص العديد من مؤلفات الفيلسوف الإغريقي «أرسطو». ومن الجديربالذكرأن عاصمة الخلافة العباسية ظلت خالية من أي بنية تعليمية أساسية بالمعنى الذي نعرفه اليوم من مدارس نظامية وجامعات عدا الكتاتيب التي كانت تقدم للدارسين دروسا أولية في القراءة والكتابة وكانت النخبة تعلم أولادها تعليما خاصا داخل المنازل والقصور. ويرى المؤلف أن «بيت
صديق جوهر كان الخلفاء ورعاة العلوم والثقافة يبدون اهتماما كبيرا بمكتبة بغداد أو مؤسسة «بيت الحكمة»، وهي مؤسسة أكاديمية تعليمية تعتبرفى نظربعضهم جامعة بدائية. وفي «بيت الحكمة»، كان الباحثون يقومون بترجمة الكتب من اليونانية إلى العربية، وكانت المؤسسة تعتبرمنتدى فكريا لتبادل الآراء وعقد الندوات. وحاول المؤرخون مرارا وتكرارا نقل صورة مغايرة للواقع، حيث تحدثوا عن وجود مؤسسات تعليمية محترفة يقيم فيها الباحثون ويعملون في وسط بيئة علمية طبيعية تضمن لهم حياة مُريحة وكريمة. ويبدوأن بعض هذه الأشياء كانت من وحي خيال المؤرخين لأن المعلومات الواردة عن «بيت الحكمة» كانت محدودة للغاية. وقد يكون «بيت الحكمة» مؤسسة ورثها العباسيون عن ملوك الساسانيين وكانت في بادئ الأمرعبارة عن مكتبة علمية. وثم تم العثور على مخطوطات محفوظة داخل «بيت الحكمة» ترجع إلى العهد البهلوي في إيران، ولقد تولى المترجمون نقلها إلى اللغة العربية إبان العهد العبا؟سي الأول. ولقد ورد في التقاريرالتاريخية بعض الأدلة الحديثة العهد التي تشيرإلى أن علماء الفلك في عهد المأمون كانوا يعملون في «بيت الحكمة»، وعلى الرغم من ذلك فلم يكن «بيت الحكمة» جامعة حقيقيةً، ولم يكن معظم العلماء والمفكرين في هذه الحقبة على صلة بتلك المؤسسة العلمية. في غيبة المؤسسة العلمية التي تكفل لعلمائها وباحثيها رواتب ثابتة وتمنحهم ما يليق بهم من مكانة، سعى هؤلاء العلماء والباحثون وراء رُعاة العلم والثقافة من الخلفاء وأثرياء بغداد الذين وفروا لهم سبل الحياة الكريمة. وهكذا تحولت صالونات العائلات الكبيرة في بغداد إلى مراكزللفكروالعلوم. عندما تولى المأمون الخلافة ركز بؤرة اهتمامه على ما تميزت به تلك الحقبة من نشاط علمي وإبداع أدبي وابتكارثقافي. ويرى المؤلف أن المأمون العائد من «مرو» الفارسية محوطا بحاشية أرستقراطية المنبت فارسية الهوى غريبة عن كل ماساد ثقافة البلاط العبا؟سي في عهود الخلفاء الأوائل، أبو العباس السفاح والمنصور والمهدي وهارون من الشعر الذي كان ديوان العرب وسجل مآثرهم وعنوان تاريخهم. ويشير المؤلف إلى تمسك
68 مكتبة بغداد بين التاريخ والأسطورة
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online