الحكمة» الذائع الصيت لم يكن في الأصل غير مكتبة علمية ساسانية لكنها قامت إبان العصر العبا؟سي الأول بترجمة الكثير من مخطوطاتها إلى اللغة العربية. وحيث إن «بيت الحكمة» لم يكن مؤسسة علمية بالمعنى المتداول في أيامنا فقد قصد العلماء والباحثون قصر الخلافة وصالونات العائلات الثرية حيث كانوا يتقاضون الرواتب المحترمة والعطايا الكبيرة ومن الأمثلة الدالة على ذلك ما بلغه المؤرخ والناقد الأدبي «ثعلب» - م - من ثراء فاحش جراء تدريسه لأبناء «آل 904 المتوفى في عام طاهر» حكام العاصمة بغداد. وكان بعض هؤلاء العلماء يشغلون مناصب حكومية مثلما كان حال الناقد وعالم النحو «ابن دريد «(صاحب الأبحاث المبتكرة في دراسة أصل الكلمات وتاريخها وفي فقه اللغة التاريخي وعلم لغة القرآن وأساليبه) فقد تولى الرجل وظائف أمين أول الحكومة وكاتم أسرارها. وكانت ثمة طائفة من العلماء العصاميين الذين شاؤوا ألا يكونوا من ذوي اليد السفلى فابتعدوا بعلمهم وأستاذيتهم عن منازل الكبراء وقصور الخلفاء م) 893 مثلما كان حال «ابن أبي طاهرتيفور» (المتوفي في العام الذي فضل أن يكون مدرسا يعلم التلاميذ في سوق الوراقين على الضفة الشرقية لنهردجلة. وقد ألف ابن أبى طاهركتاب «تاريخ بغداد». وكان قوام الثقافة النخبوية في ذلك العصرهوالمعارف والعلوم الدينية (الفقه - الحديث - التفسير - العلوم القرآنية) والدراسات الأدبية التي تركزعلى الشعرالعربي حتى القرن التاسع وكذا الثقافة التي تتناول بعضا من الفنون التطبيقية والمنزلية مثل فن الطهي. وفي هذا المقام يرى المؤلف أن التوجه الفكري
للخلفاء المأمون والمعتصم والواثق في اعتبارالمذهب المعتزلي عقيدة الدولة الفكرية والذي استمر نحو ربع قرن، حتى أجهز م وأعاد المذهب السلفي الاتباعي 847 عليه المتوكل في عام لمكانته الأولى، قد صاحبه تفاوت طبقي كبيرما أدى إلى اختمار عوامل الثورة ضد تلك النخبة وما تحمله من قيم وأفكار. وقد بلغ أمرتمسك بعض الخلفاء بمذهب المعتزلة حد التطرف والغلوفي ملاحقة كل من يعارض هذا التوجه وتمت محاكمة المعارضين وسجنهم فيما يعرف بعهد «المحنة»ما يستدعي للذاكرة «محاكم التفتيش» الكهنوتية الكاثوليكية في العصور الوسطى بأوروبا التي كانت تحاكم الخارجين على مذهب الكنيسة الكاثوليكية وتحكم على المعارضين بالحرق. وقد تعدى اهتمام بيت الخلافة من أهل الحكم والنخبة المتنفذة حدود الأمور الدينية والشرعية إلى الإهتمام بالأدب والشعرومن درر هذا الشعربائية أبى تمام التي خلدت «فتح عمورية» بلغة سمت إلى أعلى ذرى البلاغة والخيال شديد التركيب. ومن القمم الشعرية في تلك الحقبة الزخمة يأتى الشاعر «ابن الرومي» إمام الشعر الواقعي النابع من الحياة اليومية والزاخر بالصور الحية والمشاعر الإنسانية الصادقة. وفضلا عن ذلك برزت أشكال من المقال والقصص ذات الطابع المكشوف والفضائحي ومن أبرز كتاب تلك النوعية الجديدة من الكتابات «ابن الشاه الطاهري» الذي دارت أغلب كتبه حول أنواع الطعام والجنس بجوانبه المختلفة. ثم يأتى «الجاحظ» المعتزلي الهوى ليتسنم ذروة «النثر العربي الفني «ذي الطابع الساخر ويجيء كتابه الموسوعي «الحيوان «فريدا في بابه إذ يربط بين عالمي الحيوان والإنسان على نحو أدبي ساحر بليغ. ثم يلتفت المؤلف لجهود الخلفاء العباسيين المستنيرين في حقل الترجمة علما بأن الترجمة قد بدأت على استحياء في العصر الأموي. فقد كان لاتساع رقعة العالم الإسلامي في القرن السابع بالفتوحات والغزو أكبر الأثر في بروز حالة من اتصال الحضارات وتفاعل الثقافات في أقاليم الخلافة كمصروسورية حيث كانت اللغة اليونانية لغة الإدارة مع نهاية القرن السابع. وقد بدأ العرب ترجمة ماسبق أن ترجمه السريانيون إلى السريانية من مؤلفات اليونانيين القدماء إن في الفلسفة أو المنطق والطب والرياضيات والفلك والنبات وهنا يتساءل المؤلف عن السبب في إعراض المترجمين العرب والمسلمين عن ترجمة كتب التاريخ ودواوين الشعروالمسرحيات التي خلفتها للأجيال المرحلة الإغريقية * أكاديمي وناقد ، خبيرالترجمة في الأرشيف والمكتبة الوطنية
69 2023 فبراير 280 / العدد
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online