إن اخضاع الحداثة لمفاهيم خرافية لنصوص بشرية تاريخية على أساس أنها الأحكام المطلقة هو نوع من العبث. فلا يمكن أن نقيس آليات التجارة في الحضارة المصرية القديمة بما كانت عليه في العصرالأموي أوالعبا؟سي وبما هي عليه في العصرالحديث بتعقيدات العلاقات الاقتصادية الآنية فلم يوجد في حينها بنوك ولا بلوك تشين ولا سعر فوب ولا سلة عملات إلى آخره. فكيف أحكم بمفهوم ظني على علاقات معقدة عما كانت عليه؟! وقس على ذلك الكثيرمن الأمور والجوانب الحياتية والثقافية. انتصار المناهضين للحداثة يتكئ على تغلغل الفكر الخرافي وسيطرته على المجتمع في مقاومة التغيير الحداثي الحقيقي، واستمرار هزيمة التفكير العلمي أمام الفكر الخرافي في الكثير من المعارك المجتمعية. يسهم في ذلك غياب دور الفلسفة كمنهج تفكير في التعليم في العديد من المجتمعات العربية. والمجتمعات التي تتضمن مناهجها الفلسفة هي لا تُعلم منهجية التفكيرالفلسفي النقدي ولكن تُعلم تاريخ الفلسفة. وهذا يسهم بصورة كبيرة في انهزام الفكر العلمي أمام الفكر الخرافي. فتظل رؤيتنا للحداثة رؤية سطحية ومعكوسة عما يجب أن تكون عليه حيث نتباهى بتكنولوجيا لم ننتجها فنمتلئ بزهو كاذب يصنعه الآخرون لمجرد أننا نمتلك المال فنشتريه وأحيانا
لا نمتلك المال فنستدين كي نزهوبامتلاكنا الزائف للتكنولوجيا. متى نخرج من عباءة الحداثة المزيفة والمعكوسة ونبدأ في الانخراط في حداثة حقيقية تعيد بناء فكرنا ومعارفنا ومجتمعنا متكئين على ثقافتنا ومطورين لها ضمن الحراك الحتمي لمعطيات العصر الحديث. فالحداثة لا تعني قتل ثقافتنا وبناء ثقافة جديدة كما يرى فسطاط بعض أنصارالحداثة على النمط الغربي بصورة مطلقة ظانين أن نجاح الحداثة في الهدم لكل قيم وتراث المجتمع. الحداثة ليست تخليا عن هويتنا كما يروج لذلك الفسطاط المقاوم فيُضيع الفُسطاطين المفهوم الحقيقي الذي ننادي به أن تكون ثقافتنا مشاركة في الإنتاج الحضاري للبشرية - في عصرنا الحالي مثلما كانت قديما - بشقية المادي واللامادي وليست مجرد تابع مستهلك لمنتجاتها المادية فقط مع البقاء على ثقافتنا حبيسة قلاع الأمس فنفنى وننزلق إلى العدم. الحداثة الحقيقية هي تطوير للثقافة ومواءمة بين معطيات العصر الحديث والمفاهيم الثقافية والسلوكية وديناميكيات العلاقات المجتمعية ووضعها في أُطر متجددة، تتمتع بمرونة التدفق الحضاري المتسارع للإنسانية.. وتبقى الحداثة الحقيقية هي الطاقة التي نتحول بها من مستهليكن للحضارة إلى مساهمين حقيقيين فيها
103 2023 يناير 279 / العدد
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online