مجلة تُراث عدد 279 - يناير 2023

أدب ونقد

رفضته لكونه فلاحا قروياً، ولم تكن مؤمنة بقدراته، لتختاربدلا منه من بدا أكثرثراءً، وأكثرقدرة على تحقيق أحلامِها، لكن ذلك الذي رفضته، هوذلك الذي نجح في تدميرحياتها، وفي تحويلها إلى جحيم لا يطاق، تاركا لها مبلغا ماديا كبيرا أيضاً، وهو أمرغريب قليلاً، (يقلل في تصوري من منطقية العمل)، فكيف لمن دمر حياة إنسانٍ، أن يجهزله مبلغا ماديا كبيرا يكون عوضا له؟ ولماذا لم يتخلص من جثتها مثلما فعل مع جوليا، لكي ينتقم من نفسه بإحراق شقته ونفسه؟ (ربما لواستخدمت د. المصادفة حيلة ما تجعلها وريثة لآشيء منه من دون أن يكون برغبته لبدا الأمرأكثر منطقية عن تركه مبلغا كبيرا من المال لها). الرواية ممتلئة بالشخصيات التي تقف في تلك المنطقة الرمادية بين الأبيض والأسود، ولا تعرف نفسها ما الذي تريده بالضبط، وهو ما يصنع جماليتها من ناحية، ويصنع عوامل تشكك في منطقيتها من ناحية ثانية، فشخصيتا زوجتي الشيخ صلاح الأولى والثانية تبدوان أكثر مثالية عما يمكن أن يوجد في أرض الواقع، تقبلهما فكرة زواج الشيخ صلاح زوجة ثالثة عليهما، رغم معرفتهما بمقدار حبه لهما، أمر يصعب تقبله، ففي كل مراحل التاريخ شهدت الوقائع صراعا بين الزوجات على فكرة إضافة زوجة جديدة، خصوصا لوكان الزوج يحبها، حتى في عهد الرسول، شهدنا مناوشات معروفة تراثيا بين السيدة عائشة والسيدة حفصة وغيرهما من أمهات المؤمنين فيما كان سببا في نزول سورة «التحريم». المكافأة التي وضعتها في ختام القصة لتلك الروح المعذبة، روح آية، والتي تجتمع مع الشيخ صلاح بفكره الصوفي في كونه خارج هذه الحياة، ولا يرغب منها في ءشيء.. فكرة آسرة، خاصة مع روعة مشاهد العشق التي تصفها، والتدرج مع تحويل الإشارات الواردة في المفهوم الصوفي للعشق الخاص بين الإنسان وربه، إلى عشق

بين اثنين، ورغم أن الصوفية أنفسهم لا ينكرون ضرورة العشق الإنساني، وطلب (آية) الدخول إلى الخلوة، والتي هي محاولة أخرى منها للانتحار في بيت الشيخ (صلاح) مساحات مضيئة وشديدة القيمة المعرفية في الرواية. إذن تبني الروائية (المصادفة) نوعا من أنواع الفهم والمواءمة لمستويات صراع مختلفة، فعندما ارتبطت (رضوي) بـ(عمرو مظاهرات)، ورغم أن الأولى تتبنى مذهب الإلحاد وعدم الإيمان بإله، والثاني كان في وقتها مع التيارات الدينية، فإن هذه العبارة الكاشفة على لسان (رضوى) تمثل شفرة أساسية من شفرات التأويل في الرواية، تقول: «تزوجا عرفيّا حتى تهدأ الأحوال، واتفقا أن يسافروأن تلحق به. غيّرته وغيّرها، والتقيا في منتصف الطريق، بعد أن عاشا معًا أسبوعًا في الجنةِ. كانت تقف أمام باب غرفته الصغيرة التي اختبأ فيها لأيامٍ، تتأمله وهوينحني بقامته الفارهة ليصلي بكل خشوعٍ، فيمتلئ قلبها بمحبتِه ومحبة الحياة. ولم يلمها أبدًا على ءشيءٍ». مساحة مدهشة تلك التي تعطيها الروائية للحب بين الرجل والأنثى في القدرة على احتواء الأنثى، ونسيانها آلامها، وقدرتها على التغير متى شعرت بحب الرجل لها. هل الأحداث التي يتم تأويلها بشكل

112

«شيء ما من سالومي» لـسهير المصادفة.. أسئلة «المعنى المُرجأ»

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online