مجلة تُراث عدد 279 - يناير 2023

فقصة «عازفة الناي» تروي لنا أحداثا كلها مرتبطة بشخصية الطفلة القروية «شيخة» - بطلة القصة -، المعروفة بعزف الناي الذي صنعته لها جدتها «علياء»، لذا بات الجميع ينادونها بـــــــ «عازفة الناي» (العنوان المختارللقصة). «علياء» معروفة في القرية بفنها؛ حيث تقوم بنقش جدران المنازل من الداخل بالأشكال الهندسية، والألوان الساحرة، أما «سعد» جد «شيخة»، فهومزارع، وبائع السمن، والعسل... في أحداث القصة، نجد أن «علياء» أحضرت الأطفال وحفيدتها الصغيرة «شيخة» إلى جانبها، لرسم «القط العسيري» على جدران منزل جارتها «صالحة»؛ وقد أسفرعن ذلك حدوث فرحة لدى الأطفال. ولم تتحقق تلك الفرحة عمليا إلا بعد تفعيل قيم التواصل، المبنية على الأسس الإنسانية كالمحبة، والدعوة إلى المشاركة الجماعية في الإنجاز القائم على التثقيف، وحب المعرفة. وفي هذا السياق سألت شيخة جدتها قائلة «جدتي هل كنت تجيدين رسم القطّ، وأنت صغيرة». أما رد الجدة فلم يأت فارغا من القيم، فهويحمل أبعادا ودلالات، - ذكرنا بعضها سابقا -، وهكذا قالت «نعم لقد كنت أساعد والدتي في الرسم، ولقد تعلمت منها هذا النقش، حتى أصبح مصدررزقي، أجني منه القليل من المال. صغيرتي إن المرأة الجنوبية مبدعة جدا في نقش القط العسيري، حتى الألوان كنا نصنعها بأنفسنا، فلم تكن لدينا ألوان صناعية كالتي أحضرها لي جدك». مهمة الجدة إذن لم تقتصر على تعليم الأطفال للقط العسيري فحسب، بل سعت علاوة على ذلك، إلى إبراز منزلة المرأة، وأهميتها في المساهمة الاقتصادية والثقافية...، حيث إن المرأة الجنوبية لا تخلو في انشغالاتها عن الاهتمام بالجوانب الفنية والثقافية والتاريخية، مما يدل على حيويتها، وقدرتها على صناعة المجد الثقافي لأمتها، وحتى تتضح لنا هذه الحقيقة، نشير إلى أن المقصود بــ«القط العسيري» أو النقش هو فن تراثي قديم،

ويدخل ضمن قائمة التراث غير المادي، وهو معروف بمنطقة عسير، الواقعة جنوب السعودية، وتختص به النساء لتزيين بيوتهن، وله أنماط هندسية متنوعة، وتصاميم مختلفة. للقط العسيري علاقة وطيدة بالتراث، فهو لا ينفصل عنه بل هوجزء منه، لذا جاء على لسان شيخة في سؤال وجهته لجدتها: «أَخْبرنِي يا جدي عن التراث؟»، ليأتي جوابه كما يلي «التراث هو حياة وتاريخ الشعوب، وما تركه لنا آباؤنا وأجدادنا، ومن كانوا قبلنا من عادات وعلوم وفنون وحرف وأدوات، تميزبها الشعوب والحضارات، لو لم يهتم من رحلوا ونحن بالقط العسيري لما بقي لكم لليوم، لذا علينا أن نحافظ على تراثنا وحضارتنا من الضياع». فهذا الأسلوب الحواري لا يخرج عن كونه أداة لتحقيق التواصل، ف«علياء» أرادت نقل تراث «القط العسيري» إلى الجيل القادم عن طريق التعلم؛ للحفاظ عليه حتَّى لا يكون مصيره الضياع، أو الخفوت في الحياة الفنية السعودية.

117 2023 يناير 279 / العدد

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online