أدب ونقد
فمن تجليات أدب الطفل من خلال «عازفة الناي» للقاصة مريم الصقر بلورة فكرة الحفاظ على الهوية الثقافية السعودية، وتمريرها للقارئ «المتلقي»، وهذه المرة اختارت أسلوبا قصصياً، يسود فيه التشويق والإثارة، كما سيأتي في السطور الموالية. فقد وجهت المعلمة دعوة للصغار للاحتفال باليوم الوطني، فأخذوا يرسمون لوحات جميلة، مزينة بنقوش «القط العسيري». وبادرت المعلمة إلى توزيع النقود على الصغار قصد شراء العلم الوطني، لكن «شيخة»، وصديقتها «نهلة»، اختارتا شراء الشكولاتة، ورقائق البطاطا... وهذا في حد ذاته يعد مشكلة حقيقية، تحتاج إلى حل عملي، بعيدا عن المراوغة أو الكذب، فكيف ستعمل شيخة إذن لتجاوز تلك المشكلة؟. في القصة، نجد تدخل العصفورة التي دعت «شيخة» إلى عدم الكذب... واقترحت عليها مباشرة أن تهدي غطاءها الأخضر هدية للوطن. فبداية فكرة الحل مصدره الحيوان وليس الإنسان العاقل، وكأننا في هذه الجزئية من الحكاية بصدد تناول الأسطورة، ولا يمكن أن ننفي بأن هذا التوظيف غير من منحى الاتجاه الذي تميزت به القصة في البداية، مما يدل على أن الإبداع، والخيال من سمات بناء القصة الموجهة للطفل، أو أدب الطفل بوجه عام. بعدما علمت جدة «شيخة» بما حدث دعتها إلى الاعتذار لمعلمتها. أما فكرتها فقد نالت قبولا لديها، لذا قالت «وطننا يستحق التضحية». وهنا يتجلى الإقراربالوطنية كشعور جماعي يجب أن يتسلح به كل من لديه غيرة على وطنه، لذا عملت شيخة على تحويل غطائها إلى علم وطني، تزينه كلمة التوحيد، وخيوط ملونة طرزتها جدتها. حب الوطن لدى شيخة كما لا يخفى اتخذ صيغا أخرى، فلم يقتصر الأمر على حضوره في الواقع، كما هو ملاحظ، بل ظل حاضرا أيضا في حلمها، مما يدل على أن الوطنية تسري في دمائها،
ولم تعد تحتاج إلى تعريف آخر غير المعنى الذي تحقق في سلوكها وشعورها معاً. لذا قالت شيخة
في إحدى مقاطعها الحوارية مع جدتها «ما أروعك يا وطني، لم أكن أشعربمثل هذا الحب من قبل، أنا أحب وطني يا جدتي..». حبا في الوطن إذن، تحول غطاء «شيخة» إلى العلم الوطني الأخضر، وهو في أصله غطاء، أو قطعة أثرية من تراث بلدها، قديمة، ورثتها أمها من أجدادها. لذا أوصت شيخة بأن تحافظ عليها، ولا تهديها إلا لمن يدرك قيمتها. حملت شيخة هذا العلم الوطني، فاتجهت نحو المدرسة بمعية صديقتها «نهلة»، وقادت مسيرة مفعمة بالأهازيج الوطنية، ممزوجة بعزف مقطوعة للنشيد الوطني. ولم ينته هذا الشعور الوطني إلا بعد نصب أعلام الأطفال في أعلى قمة في الجبل، وقد نال علم شيخة إعجاب أهل قريتها بشكل يثيرالذهول، لذا ظل شامخاً، وكأن هناك اتفاقا تاما على أن «شيخة» هي بطلة هذا العيد الوطني. لقد نقلت إلينا القاصة السعودية مريم الصقر تصوراتها الثقافية والعامة من خلال شخصيات قصتها «عازفة الناي»، وهي بالمناسبة تصورات مبنية على جملة من القيم المجتمعية والإنسانية، كــــــ (التعلم، الأمن الثقافي، التربية، التعاون، الاعتذار، الشكر، الوطنية، التقدير...) واستطاعت من خلال نسيجها اللغوي الذي يراعي قدرات الطفل عموماً، وذكائه بصفة خاصة، أن ترسم أمامه، وبشكل واضح عالما يمكنه أن يخوض فيه عبر استفساراته، وحصيلة استيعابه لما جاء في ثنايا القصة... لينتهي في نهاية الأمرإلى أن الغاية من وضع، وسرد أحداث تلك القصة ليست التسلية بل صناعة المستقبل، القائم على الأمن والتعلم، سعيا إلى صيانة الهوية الثقافية للمجتمع السعودي. فتلك الهوية كما هومعلوم، يستحيل تجسيدها على أرض الواقع من دون بذل جهود من أجل ذلك، لا سيما في هذا الزمن الذي يطفو على أحداثه صراع القيم الثقافية والحضارية، لذا فإن إدراج قصة «عازفة الناي» ضمن قائمة أدب الطفل الهادف غير مبالغ فيه، كما يمكن أن يتبادرإلى أذهان بعضهم، بل إن معالمه - أدب الطفل - قد تحققت في أحداث القصة برمتها، وبشكل جلي. لنرجع قليلا إلى الوراء للتأكيد على أن القاصة مريم الصقر، تريد أن تجعل - شئنا أم أبينا - بداية مستقبلنا من عالم الطفولة. وهذه المعادلة رغم صعوبتها وخطورتها معا، إلا أنها تبقى على كل حال حقيقة حتمية وسنة كونية من شأنها الإسهام في صناعة أجيال المستقبل * كاتب وقاص مغربي
118
الأبعاد الثقافية والتربوية والحضارية في أدب الطفل العربي من خلال قصة «عازفة الناي» للقاصة مريم الصقر
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online