قيد الحياة وحسنا صنعت الكاتبة بمحاورتهم واستدرارذكرياتهم. حصلت الكاتبة على عنوان جغرافي غير دقيق وصارت رغبتها في العثور على «رجال مبارك بن لندن» أشبه بمغامرة من تلك المغامرات التي عاشها الرحالة الإنجليزي ورفاقه. طويلا بحَثت «هويدا عطا» عن منزل سالم بن كبينة وسالم بن غبيشة، عبر طرقات «الوثبة» و«بني ياس»، دون جدوى. لهيب القيظ يحيط بها من كل صوب، ولهيب الخوف من الفشل في العثور عليهما، إلى أن تمكنت من الوقوف أمام منزل سالم بن كبينة، التي امتلأت كتب مبارك بن لندن بصوره. ابن كبينة رجل طويل القامة تبدوسنواته السبعون على وجهه لكنها لم تترك أثرا كبيراً، فالهمة ما تزال عالية، والبشاشة تكسوقسمات محياه. سالم بن كبينة الذي يحكي بحزن عن رحيل مبارك بن لندن، فيما يروي في اللحظة ذاتها بفخرعن أجمل أيام العمرالتي لاتغيب عن ذاكرته. كان أقرب مرافقي الرحالة إلى نفسه وقد حظي بالحصة الأكبر مما كتبه ثیسيجر عن مرافقيه وبأكبر عدد من الصور أیضاً، وصارمن أعیان قبیلة الرواشد، وظل محتفظا بقسماته التي ترُى في الصور التي التقطها له الرحالة البریطاني قبل مايزيد على خمسین عاماً، قال ابن كبینة لمؤلفة الكتاب: كان مبارك بن لندن، یعدنّي أمینا على حیاته وأسراره الخاصة، ولم یكن یتركني، بل یأخذني إلى أي مكان یذهب إليه من أجل التصویروالإحصاء وغیرھما، وأنا أیضا كنت أكن له ذات هذه المشاعر، ولم أفكِّر للحظة واحدة في أن أفارقه في خيرأوشر، في إشارة إلى المخاطر
التي داهمتهم خلال الرحلة، ویشیر إلى شمائل ثیسجر بالقول: إنه رجل لا یعرف الخوف من وحش أوعدو، وكان یتكلم العربیة ومتواضعاً، وتعوّد أن یمآشي حافیا ویرتدي لباسا عربیا ولا يرفض أي طعام يقدم له. وفي المقابل نستمع لما يقوله ثيسجرعنه: كاد ابن كبینة یصبح المرافق الدائم لي خلال السنوات الخمس التي قضيتها في جنوب الجزیرة، وأحسست بالحب نحوه مذ عرفته، إذ خفف عني الضیق الذي عشت فيه وسررت بمرحهم وفهمهم لحاجاتي. ابن غبیشة يقول سالم بن غبيشة وكان عمره ساعتها ست عشرة سنة إن ابن كبینة هوالذي أشارعلى الرحالة البریطاني، بضمه إلى المجموعة التي سترافقه في رحلته، بقوله: هذا ولد طیب وشجاع ویصید الغزلان. ولم يشعر الفتى بالخوف أو التردد، بل وافق في الحال. وكان بن غبيشة هو مستشار الرحالة، فهو ذو رأي سدید رغم حداثة سنه، وقد قال عنه ثيجسر «، كما أنه كان قناصا جیدا ورامیا ماهراً، وكان یفوز على الرماة الأوائل من أبناء القبائل، ويسرد للكاتبة أجواء التعب والظمأ وقطاع الطرق في أرض لا تعرف الرحمة. يقول: «نضع طعامنا وشرابنا على ظهور الركائب، وكنا نأكل قلیلا مقتصدین في استهلاكه حتى لا ینفد قبل إكمال الرحلة، وكان ابن لندن یفعل ذلك أیضا ثم یحكي قصة الفتاة البدویة التي أحبها ابن لندن قائلاً:كانت فتاة حلوة، قابلها حیث كانت تملأ الراویة بالماء من البئر، وكانت مشيتها وحركاتها هي ما جذبه إليها من دون أن تدري.
69 2023 يناير 279 / العدد
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online