مجلة تُراث عدد 279 - يناير 2023

ارتياد الآفاق

عمیر بن عمر كان فمه رفیعا وعیناه قاسیتین ومزاجه هادئا بلا انفعال. هكذا وصفه ثيسجر. كان شدید الاعتزازبالنفس، شدید التواضع، دائم الابتسام، لا تبدو عليه علامات القسوة والتجهم. هكذا وصفته هويدا عطا بعد ان التقته وهو في الخامسة والسبعين وكان لا يزال يتمتع بذاكرة قوية، يحكي عن متاعب الرحلة فيقول: اللیل مخیف، ولا بد من الحذرالشدید، حتى الحدیث الضروري كان في الغالب یجري همساً، ونومنا كان في دوریات، وبعد كل ساعتین نتبادل الحراسة، حیث یقوم اثنان بالسهر والحراسة، واحد قریب والآخربعید، والآخران یأخذان نصيبهما من الراحة والنوم، أما مبارك بن لندن فهوكالصقروالذئب، لا یعرف الخوف ولا ينام إلا قلیلاً. استمرت تلك الرحلات سبع سنوات، رافق فيها عمير ثيسجر، وصارمعروفا في الجزیرة العربیة أن قبیلة الرواشد أشهر القبائل في معرفة الصحراء، ومشاركته في هذه الرحلة هي التي جعلته يقیم في أبوظبي ويحصل منها على معاش تقاعدي. ورغم مرورنصف قرن ما زال يحمل عتابًا على مبارك بن لندن ويرى أنه لم یعطه حقه في الحدیث عن جهوده، بینما تحدث عن ابن كبينة وابن غبیشة، يقول عمير: كنت الأكبر سنا بین رفاق الرحلة، ولم أقصّرمعه في أي ءشيء، ربما كان اعتزازي بنفؠسي لا یرضيه، وقد یكون سبب آخرلا أعرفه وهو نفسه لم یذكره، ولم یشُر إليه، والرجال أسرار، وكان عمیر بن عمر، القائم بإعداد الطعام، وهو الذي يتصدى لحل المشكلات ومنها موقفه عندما مُنعوا من دخول الأراعضي السعودیة، وكيف أقنع السلطات حتى سُمح لهم بإكمال الرحلة. وقد عاتب عمير ثيسجر في لندن (في احتفال عيد الميلاد) فأجبه قائلاً: سامحني، إن ربي لم یمنحني الفرصة أن أمنحك هذه الشهادة، لقد كنت مفیدا في كل الرحلة. بن كلوت أماآخرمنالتقتبههويداطهفهومحمدبنصالحبنكلوّت،وهو أخ غیرشقیق لسالم بن كبینة ويقيم بمدینة الدمام بالسعودیة، وبیته في بني ياس ما زال قائما وفيه كان اللقاء وتكشف صفحات كتاب الرمال العربية أن بن كلوت، كان لديه شعور مختلف، وقد قال عن ثيسجر: كان الرجل طیبّا في تعامله معنا، ومع ذلك كان یحدث في كثیرمن الأحیان خلاف بیننا في ما یخص الكرم والعطاء. وهنا يمكننا التقاط الفجوة في مفهوم العطاء بين البدوي والأوروبي، فقد عاتب بن كلوت بن لندن حين التقيا في أبوظبي وقال له: لم لم تكتب عني بصدق؟ فأجابه: هناك كتب كثیرة لم تطبع بعد، وهي تحكي عنك كل ءشيء یا محمد!. لكن بن كلوت

عاتب بن لندن مرة ثانیة، بسبب عدم دعوته إلى حفل میلاده التسعين في العاصمة البریطانیة مع بقیة رفاق الرحلة. حكاية الفتاة البدوية التي أحبها السير ويلفرد ثيسجر من الحكايات التي رواها سالم بن كبينة هي حكایة البدویة التي أحبها بن لندن، وكانت فتاة جمیلة من قبیلة الصیعر، وهذه الحكایة سيرويها غیر واحد من رفاق الرحلة حيث یروي عمیر بن عمر (الشاهد الثالث)، طرفا من حكایة البدویة التي أحبها الرحالة البریطاني قائلاً: لقد رآها من بعید ولم یتحدث معها وما كان باستطاعته أن يتزوجها لأنها من قبیلة صعبة وصارمة في التمسك بالتقاليد. وقد وجدت في تحقيق المقحفي لكتاب معجم البلدان أن الصيعرقبيلة مشهورة في الشمال الغربي من وادي حضرموت ووسط الربع الخالي، ينتهي نسبهم إلى كندة،

70

العثور على رجال مبارك بن لندن

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online