كتاب الانتقال الديمقراطي في تونس

ظلــت حالــة العطالة تراوح مكانهــا رغم التغيرات الظاهرة في المشــهد السياســي بفعل ســرعة تعاقب الحكومات واختلاف موقع النهضة من السلطة، قائدة وشــريكة. لا شك أن لتلك العطالة أسبابا بنيوية تتجاوز موقع النهضة في الحياة السياسية ودورها في عشرية الانتقال الديمقراطي، مثل القانون الانتخابي والنظام السياســي وهشاشــة المنظومة الحزبية وغيرها، ولكن مسؤولية النهضة فــي تلك المرحلة تظل أساســية. فالقانون الانتخابي، الــذي صيغ في ظروف خاصة هيمنت عليها الخشــية من عودة نظــام الحزب الواحد، يمنع الأحزاب، مهما كانت قوتها وشــعبيتها، من الفوز بأغلبية تمنحها شــرعية الحكم وتمك ِّّنها من تنفيذ برامجها وتُُحمِِّلها المسؤولية الكاملة عن سياساتها. والنظام السياسي، الذي توافقت عليه مكونات المجتمع السياسي والمدني بعد الثورة وتخلََّق بعد ، وُُلد 2014 نقاشــات طويلة ومضنية في المجلس التأسيسي وتجس ََّد في دستور في نفس الظروف التي هيمنت عليها الخشية من عودة النظام القديم ذي الطابع الرئاسي. فعكس الدستور الجديد تلك المخاوف، وحد من صلاحيات الرئيس، دون المضي في نظام برلماني صريح. في تعزيز حالة 2014 لقد أسهم النظام السياسي الذي تأسس على دستور العطالة بين برلمان ذي ســلطة واسعة ولكنه مشــتت ومتناحر، ورئيس محدود الصلاحيات ولكنه يملك كل المفاتيح. فإذا أضفنا إلى هذه العوامل عاملي الخوف والعجز اللذين ميزا سلوك حركة النهضة خلال عشرية الانتقال الديمقراطي، نفهم الطابع الصوري للحكم وغياب الســلطة الحقيقية لدى الحاكمين، ونفهم كذلك أسباب العطالة في الأداء وضيق الناس بالثورة وبرافعي شعاراتها، وترحيب قطاع منهم بالانقلاب عليها وعليهم أجمعين. هذه بعض العوامل التي شــك ََّلت ســيكولوجية الإسلاميين وأســهمت في توجيه ســلوكهم السياســي خلال عشــرية الانتقال الديمقراطي، وبالتالي أثََّرت على مستوى أدائهم. فهل يعني ذلك أنهم لم يحققوا أثناء وجودهم في السلطة، ح ُُك ََّاما ومشــاركين، أي شــيء؟ هل كان أداؤهم كله دون المطلوب وفشلوا في " عشــرية سوداء " تحقيق أي إنجاز يُُذكر لهم، بما يجعل من العشــرية الانتقالية كما يردد مناهضوها؟

104

Made with FlippingBook Online newsletter