كتاب الانتقال الديمقراطي في تونس

يُُنتقــد الإعلام فــي تونــس على نطاق واســع قبل الثورة وأثناء عشــرية يوليو/تموز. ومثلما تتعدد أســباب تلك 25 الانتقال الديمقراطي وبعد انقلاب الانتقادات، تتنوع أشــكالها في كل مرحلة وتختلف الجهات التي تصدر عنها. في عهد ابن علي، لم تكن الممارســة الإعلامية على مســافة من نظام الحكم، بل كانت وســائل الإعلام المطبوعة والمســموعة والمرئية جهازا دعائيا مرتبطا ارتباطــا عضويــا بباقي أجهزة الحكم الأمنية والسياســية والثقافية؛ فكانت، كما فــي كل الأنظمة الديكتاتورية، تمج ِِّــد الحاكم وتحمل على المعارضة وتنخرط بالكامــل فــي الترويج لسياســات النظام دون نقد أو مســاءلة أو تحقق. وعلى امتداد ســنوات الانتقــال الديمقراطي، لم يتمكن الإعلام التونســي من التحرر من تلك التقاليد، رغم ارتفاع القيود واتســاع مســاحة الحرية التي أصبح يتمتع بها. وعندما حصل الانقلاب على المسار الديمقراطي وأُُغلق البرلمان المنتخب " التدابير الاستثنائية " وج ُُم ِِّد العمل بالدستور، تجندت وسائل الإعلام لتبرير تلك باعتبارها إنقاذا للبلاد وخطوة ضرورية لتصحيح مســار الثورة. فما الذي جعل هذا المرفق الحيوي، بوجهيه، العمومي والخاص، يتعايش مع الديكتاتورية فيطبِِّع معها، ويتبرم من الحرية فيتجند ضدها، ويحن ُإلى الاســتبداد فيرح ِِّب بانقلاب أولى ضحاياه قيمتا الحرية والحقيقة؟ فيما يلي، بعض الأطر النظرية التي يمكن أن تساعدنا على فهم الدور الذي لعبه الإعلام التونســي وتحليل الســمات الغالبة على ممارسته، والتي تبدو ثابتة رغم اختلاف الظروف وتغير البيئة السياسية والتشريعية. . مدخل نظري 1 في الغالب، تنســجم الممارســة الإعلامية مع طبيعة الممارســة السياسية للســلطة الحاكمة انفتاحا وانغلاقا، تقدما وتخلفا. وقلما تجد إعلاما متحررا في بيئة سياسية سلطوية، أو إعلاما يقوده الرأي الواحد في نظام ديمقراطي تعددي. لتفســير الاختلاف بين الممارســات الإعلامية وفهم الأدوار التي تلعبها وسائل

129

Made with FlippingBook Online newsletter