كتاب الانتقال الديمقراطي في تونس

وســائل الإعلام رغم تغير وزراء الداخلية وأطرها العليا في أكثر من مناســبة، ورغم التحقيقات القضائية المتتالية في هذا الملف دون جدوى. فالاستمرار في استخدام هذا الإطار يحقق لمستخدميه غرضين متلازمين؛ فهو من ناحية، يسهِِّل ربــط حركة النهضة في المخيــال الجمعي بأي حدث أمني أو تطور غامض أو غير مفهوم يهدد استقرار البلاد. وهو من ناحية أخرى، يمنح غطاء، ولو مؤقتا، لأي جهاز سري حقيقي، سواء أكان أجنبيا أم تابعا لطرف داخلي. والمقصود به تســفير الشــباب التونسي إلى بؤر التوتر، : " التســفير " إطار خاصة في العراق وسوريا إبان الثورة. ونظرا للأعداد الكبيرة من الشباب التونسي الــذي ســافر إلى هذين البلدين والتحق ببعض الجماعــات المقاتلة مثل تنظيم الدولة (داعش) وجبهة النصرة وغيرهما، فقد أصبحت هذه الظاهرة قضية رأي عام يخوض فيها الإعلام بســطحية دون الغوص في أعماقها. وقد ســاعد على بؤر " صناعة إطار التســفير وربطــه بحركة النهضة عدة عوامــل؛ فالملتحقون بـ أغلبهم من الشــباب المتدين، ومن الطبيعي أن تكون له علاقة بالحزب " التوتر الذي يحمل التوجه الإسلامي في تونس. وبما أن هذا الحزب يوجد في السلطة، وبإمكانه تسخير مقدرات الدولة وعلاقاتها لخدمة أهدافه، فمن الطبيعي أن تكون . وباعتبار العلاقات الجيدة التي " التسفير " له شبكة عابرة للحدود لتسهيل عمليات تربط حركة النهضة الحاكمة في تونس بنظام العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، التي تحد بدورها ســوريا والعراق، فمن الطبيعي أن تستغل النهضة هذه العلاقة لإيصال هؤلاء الشباب إلى بؤر التوتر. هكذا، بهذا التبسيط، وقعت صناعة إطار التسفير وظلت وسائل الإعلام تتداوله على نطاق واسع دون مساءلة أو تحقيق صحفي واحد يُُعتد به. والمقصود به عموم ظاهرة الفســاد بين الطبقة السياسية : " الفســاد " إطار التي حكمت البلاد بعد الثورة. فالطبقة السياسية الجديدة لم تفشل في مكافحة الفســاد وحســب، بعــد أن كان محصورا في عائلــة الرئيس الســابق وأقاربه ومقرََّبيه، بل عم ََّمته حتى بات ظاهرة واســعة الانتشــار. من خلال هذا الإطار، يبدو الفســاد، بمختلف أشكاله، ســمة غالبة على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بعد أن اختار السياســيون في مرحلة الانتقال الديمقراطي التواطؤ مع الفاسدين وتوظيفهم وابتزازهم والاستفادة منهم لأغراض خاصة. وبدلا من

145

Made with FlippingBook Online newsletter