كتاب الانتقال الديمقراطي في تونس

تقديمهم للعدالة ومحاســبتهم أمام القانون واســترداد ما نهبوه من أموال عامة، سُُنََّت التشريعات للتصالح معهم والعفو عنهم ومد ِِّهم بأسباب البقاء. ضمن هذا الإطار، لم يعد الفســاد ممارسة محصورة في الفاسدين بالفعل، بل أصبح تهمة جاهزة دون تمييز، تشمل جميع الفاعلين السياسيين الذين تقلدوا مناصب سياسية وإدارية بعد الثورة. والمقصود به أن تونس دخلت منذ حدث الثورة في أزمة : " الأزمة " إطار شاملة أو سلسلة من الأزمات المستفحلة المتناسلة من بعضها البعض. فسقوط الرئيــس، ابن علــي، أزمة اختل على إثرها النظام العام، لولا الإدارة التي أمََّنت اســتمرار الدولة. والانتخابات أزمة أفســحت المجال لهيمنة الإسلام السياسي وقلصت حضور القوى السياســية التقدمية والحداثية أو أخرجتها من المشــهد. ومســار إعداد الدستور أزمة توقفت في سياقها الحياة السياسية وأُُغلق البرلمان عدة أشــهر، لــولا تدخل رباعي الحوار الوطني. والعدالــة الانتقالية أزمة لأنها نكأت الجروح وقس ََّمت المجتمع ووضعت الهيئة المشرفة في مواجهة مؤسسات الدولة، بما في ذلك الرئاسة. والإرهاب أزمة فقد معها الناس أمنهم واستقرارهم وثقتهم في الحكومة وأجهزتها. والتوافق أزمة أعادت إلى الساحة السياسية قوى النظام القديم وأضعفت الصف الثوري. والعلاقات بين الأطراف السياســية في أزمة أعاقت تشــكيل الحكومات وعطلت عمــل الحكومات التي تعاقبت على الســلطة. هكذا تبدو حلقات المســار الانتقالي في التغطية الإعلامية عبارة عن مرك ََّب من الأزمات، رغم أن بعضها يُُعد طبيعيا في سياق انتقال ديمقراطي صعب في وضع إقليمي معقد. هذه جملة من الأطر الإعلامية الجزئية التي اشــتغل عليها الإعلام خلال عشرية الانتقال الديمقراطي وربط بينها، كما تقدم، في سياق واحد هو سلبية هذه العشرية وفشلها على جميع الأصعدة. بعض هذه الأطر ص ُُم ِِّم لمواجهة الثورة وما تعنيه من قيم التغيير بشــكل عام، وبعضها ص ُُم ِِّم لمواجهة المســار الديمقراطي، خاصة في مراحله الأولى، وبعضها ص ُُم ِِّم لمواجهة الإسلاميين وحلفائهم، سواء مــن القوى الجديدة أو القديمة، وبعضها ص ُُم ِِّم لمواجهة حركة النهضة تحديدا، باعتبارها القوة السياســية الأكثر تنظيما والأقدر، افتراضيا، على أن تكون بديلا للنظام القديم قابلا للاستمرار.

146

Made with FlippingBook Online newsletter