مقابل هذه الصورة التي صنعها الإعلام، تشــكلت لدى قطاعات واســعة مــن الجمهور، لاســيما من أنصار الثــورة، صورة لا تقل ســلبية عن الإعلام والإعلامييــن. انعكســت تلك الصــورة في انتقادات حــادة، وصل بعضها إلى الطعنة في خاصرة " و " معول الهدم " ، و " إعلام العار " نعت المنظومة الإعلامية بـ . وفق هذه الصورة، بدا الإعلام، في أغلب وســائله، متوترا أقرب إلى " الثــورة العدائية في تعاطيه مع الثورة ومســارها وأخبارها ورموزها. فبدلا من الاحتفاء بالثورة التي حررته من قيود السلطة، والاجتهاد في نقد الماضي بتعرية حقائقه، والعمل بمهنية على مراكمة المكاســب التي تنقله إلى المســتقبل وتمنع عودة الممارســات الســابقة، وج ََّه ســهامه للثورة ونجح في تقديم المرحلة الانتقالية في صورة ســوداوية منفرة. ويمكن تفسير هذ الموقف السلبي من الإعلام بعدة عوامل، أبرزها العجز الذاتي والأدلجة المفرطة وسيادة التفاهة وغياب البديل. ِزة ˷ِّ - عجز ذاتي في بيئة موضوعية محف ربما لم تتوافر لمرفق إعلامي في دولة نامية وصفة للنجاح وبيئة موضوعية للتطــور مثلمــا توافــر للإعلام والإعلاميين في تونس بعد الثــورة. فقد وفََّرت الثــورة لهــذا القطاع الحيوي أربعة عناصر أساســية كان يمكــن أن تجعل منه نموذجا للنجاح ينافس في حرفيته على المراكز المتقدمة على مســتوى العالم. وفَّّرت له، أولا، منسوبا عاليا من الحرية أطاح بمجمل القيود التي كانت تكبله زمن الديكتاتورية. فلم تعد وســائل الإعلام خاضعة لضغوط الســلطة السياسية وتوجيهاتها وضوابطها التحريرية الصارمة. وفرت له، ثانيا، استقلالية شبه كاملة جعلت من هياكله الذاتية صاحبة القرار الأول في إدارة شؤونه ومعالجة مشكلاته وتطويــر أدائه. فلم تعد الأجنــدة الإعلامية تابعة للحكومة أو أي من وكالاتها، بمــا في ذلك أجندة وســائل الإعلام المملوكة للدولة. وفــرت له، ثالثا، إطارا تشــريعيا وتنظيميا أسهمت الهياكل الإعلامية ذاتها في وضعه وتطويره في إطار حواري تشاركي مع مختلف الجهات المعنية؛ فلم يعد الإعلام قطاعا سلبيا يطبِِّق منظومة تشريعية وقانونية مفروضة عليه تنزل إليه من عل ٍٍ. ووفرت له، رابعا، بيئة اجتماعية ضاغطة، بتوقعات مرتفعة، وقوة دفع نحو تحســين الخدمة والارتقاء بالأداء والتزام المعايير المهنية. فلم تعد المنظومة الإعلامية تمارس وظيفتها في
147
Made with FlippingBook Online newsletter