كتاب الانتقال الديمقراطي في تونس

ظلت تتحرك منعزلة عن بعضها البعض، غارقة في مواجهة الصعوبات الداخلية التي واجهتها، كانت الدولة العميقة في مستواها الإقليمي تنسق جهودها ويدعم بعضهــا بعضا على صعيد التمويل وتبادل الخبــرة وتناقل المعلومات والخطط فيما يشبه غرفة عمليات مشتركة. هذا المعنى يؤكد عليه الرئيس الأسبق، منصف كان لأعداء الديمقراطية الذين حاربوا الربيع العربي تنســيق " المرزوقي، بقوله: . في هذا السياق، ((( " ولم يكن لنا نحن الديمقراطيين العرب ولا حتى تعارف بيننا كان انقلاب مصر أولا، بتمويل إماراتي/سعودي، تلاه تمرد حفتر في ليبيا بدعم إماراتي/مصــري، ثــم لحق بهما انقلاب الحوثيين في اليمن بتحالف مع النظام ، قبل أن يتوقف قطار " الإخواني " القديم ودعم القوى المعادية لحزب الإصلاح التغيير في سوريا بتدخل إقليمي ودولي مباشر. - إذا كانت الدولة العميقة بهذه القوة وهذا التأثير وهذا الترابط الشــبكي داخليــا وخارجيــا، كيف يمكن الحديث بعد ذلك عن ديمقراطية فعلية، وتمثيل للإرادة العامة، ومسؤولية للحكومات والمؤسسات المنتخبة؟ إلى أي حد يمكن مجرد إدارة 2021 و 2011 اعتبــار حكــم منظومة الانتقال الديمقراطي بين عامي شكلية للسلطة، وهي تملك في الظاهر كل السلطات: التنفيذية (رئاسة وحكومة وولاة وبلديات)، والتشريعية (البرلمان ووضع الدستور وسن القوانين)، والقضائية (مجلــس القضــاء بكل ما له من صلاحيات)؟ نفس الســؤال ينطبق على حكم الرئيس قيس سعيد: هل يحكم فعلا وهو يملك كل السلطات؟ هل يحكم وهو يقود الحكومة بصورة مباشرة، بعد أن وضع دستورا مصمما على مقاسه، وغيَّّر بمقتضاه شكل النظام السياسي، وهندس بنية البرلمان وصلاحياته، وأعاد تشكيل مجلس القضاء الأعلى، إضافة إلى رئاسته لمجلس الأمن القومي وتعيين قيادات الأجهزة الأمنية؟ هل يمكن أن يُُعد كل ذلك مجرد حكم صوري أم أن تصوير الدولة العميقة بهذه القوة مبالغة تحتاج إلى الكثير من التنسيب؛ ما يجعل تحديد المســؤوليات بين الهيئات الرســمية والمنتخبة والهيئات التي تحكم في الخفاء أكثر تعقيدا؟

. 96 ، ص 2024 المرزوقي، منصف، أي مستقبل للديمقراطية؟، دار منوال للنشر (((

175

Made with FlippingBook Online newsletter