لا يمكــن فهــم ما يحدث من تغيير في أغلــب البلدان دون اعتبار العامل الخارجي. ومهما كان ثقل العوامل الداخلية وحجم تأثيرها وطبيعة الأدوار التي تلعبهــا فــي عملية التغيير، فإن الاقتصار عليها في التفســير ينتج عنه قصور في الفهم. فبعض تلك العوامل وربما جلّّها، يكون في أحيان كثيرة مجرد وجه آخر للعامل الخارجي. وليس الترابط بين الداخل والخارج أمرا مستحدثا، فعلى امتداد التاريخ، شــواهد لا تُُحصى على التأثير الخارجي في عمليات التغيير الداخلي. ومع تقدم العولمة في الأزمنة الحديثة، وترابط مساراتها وتداخل مصالح الدول في مختلف المجالات، أصبح العامل الخارجي أكثر حضورا في شؤون الدول س ـ ِره، � الداخلية. وبات يتخذ صورا متعددة تخفي في أغلبها معنى التدخل أو تي تحت أســماء محايدة وبأســاليب ناعمة، من قبيل التعاون والتحالف والشراكة والدعــم وبنــاء القدرات، إلى غير ذلك من صور التدخل الظاهرة والخفية. هذا طبعا، إلى جانب التدخل المباشر بالقوة الصلبة سواء بغرض الاحتلال أو التقسيم أو تغيير الحدود أو إسقاط الأنظمة أو تعديل سلوكها وسياساتها. في حالات الانتقال الديمقراطي، كما في غيرها من حالات التغيير، يكون العامل الخارجي حاضرا، وإن تعددت أشــكاله واختلفت أســبابه ومســتوياته باختلاف الســياقات. فاختلاف السياقات الجيوسياسية مثلا، يجعل من التدخل الخارجي أحيانا داعما للديمقراطية وللتحول الديمقراطي، وأحيانا أخرى حائلا دون التغييــر داعمــا للأنظمة الديكتاتورية بهدف اســتدامة الاســتبداد والتبعية. فالديمقراطية بالنســبة إلــى الدول التي تملك القدرة على التدخل في شــؤون غيرها، بما في ذلك الديمقراطيات الليبرالية الراسخة، ليست قيمة ثابتة في حد ذاتها تســتدعي الدعم المبدئي في كل الســياقات. إنها مســألة نسبية يُُنظر إليها فــي علاقتها بالمصلحة، وفي أحيان كثيرة تكون مخرجات العملية الديمقراطية، المعلومة منها والمتوقََّعة، هي ما يحدد دعم الانتقال أو إعاقته أو منعه. يتنــاول هــذا الفصل العامل الخارجي في ســياق الانتقال الديمقراطي في تونس، فيرصد مواقف الدول المؤثرة من الثورة ومن المسار الانتقالي، وكذلك
179
Made with FlippingBook Online newsletter