كتاب الانتقال الديمقراطي في تونس

والتأسيس لتجربة جديدة، قد تستفيد من عشرية الانتقال الديمقراطي، ولكنها لا تسعى إلى استئنافها. فــي كلتــا الحالتين، ثمة حاجة أكيدة إلى الانــطلاق من نقد مزدوج: نقد جماعي للتجربة الأولى من أجل الوقوف على عيوبها وأسباب تعثرها ثم توقفها، وكذلــك بهــدف إبراز نقاط قوتها وتقدير مــا أنجزته في الواقع وما أضافته إلى الحياة السياســية التونسية وإلى تجارب الانتقال الديمقراطي عامة. ونقد لحملة التشويه التي استهدفت تلك التجربة بصورة منهجية، فطمست الكثير من الحقائق وغطت على الكثير من الإنجازات وخلقت وقائع بديلة وأنتجت سردية مضللة ســيكون لها دور فاعل في تعقيد أي محاولة لعودة الديمقراطية، سواء من باب الاستئناف أو من باب الدمقرطة من جديد. هــذه العملية النقدية المزدوجة ضروريــة للتمييز بين الزيف والحقيقة في الصورة التي رسمها خصوم المسار الديمقراطي ونجحوا في تسويقها على نطاق من ناحية، وفي صورة الاستثناء الديمقراطي " العشرية السوداء " واسع تحت لافتة التونسي والنجاح العربي الوحيد من ناحية أخرى. وقد ينتهي الأمر إلى صياغة سردية جديدة تجمع الحقيقة في الجانبين وتكشف الزيف في الصورتين، وتكون قاعدة لتجاوز مشترك للسرديتين معا. ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بجهد نقدي جماعي متسلِِّح بالجرأة والنزاهة السياسية والأخلاقية. . عوائق الاستئناف 2 ووقف المســار الانتقالي مع شعار ظل " التدابير الاســتثنائية " ترافق تفعيل يؤطر الخطاب السياســي لقيس ســعيد وأنصاره ومناهضي الثورة والديمقراطية . والمقصــود بذلك أن تجربة الانتقال " لا عودة إلى الوراء " عمومــا، مفــاده أن الديمقراطي قد انتهت إلى غير رجعة وأن ما بعدها سيسير في اتجاه واحدة يمتنع معه استئناف ذلك المسار. وبالفعل، لم يكن ما أقدم عليه سعيد بعد انقلابه من باب الإصلاح والتطوير والتجاوز في إطار الاســتمرارية، بل خط لنفســه مسارا جديدا يقوم على تصفية حساب شاملة مع المرحلة السابقة بمؤسساتها ومواثيقها ورموزها، ويتعارض في الوقت ذاته مع الديمقراطية فلســفة في الحكم ونهجا تشاركيا في إدارة الشأن العام. فصاغ دستورا شرََّع من خلاله ما جمع بين يديه

207

Made with FlippingBook Online newsletter