كتاب الانتقال الديمقراطي في تونس

بعث مؤسسات إعلامية ضخمة بميزانيات سخية لا تقدر على توفيرها إلا الدول التي ترغب في الاســتثمار الإســتراتيجي في هذا النمط من القوة الناعمة. وفي غياب رأسمال وطني مستعد للمغامرة بدعم مؤسسات إعلامية تنخرط في معركة بناء الديمقراطية، بقطع النظر عن الكلفة المادية وما يتطلبه ذلك من تضحيات، يكفــي أن تتعاضد، مرحليــا، بعض الجهود المواطنية لبعــث منصات إعلامية اجتماعيــة قريبة من الناس، تســتفيد مما تتيحــه التكنولوجيات الحديثة والذكاء الاصطناعي من حلول، وتوظف الكفاءات التونســية المتخصصة والمنتشرة في الداخل والخارج، وتكسر هيمنة الإعلام التقليدي الذي بدأ دوره في التأثير على الرأي العام يتراجع. من أســباب فشل المرحلة الاســتفادة من الكفاءات والكوادر الوطنية: . 9 الانتقالية في تأســيس ديمقراطية مستدامة، نوعية النخب التي أدارت الحكم في مستوييه، التنفيذي والتشريعي. فبالرغم من تنوعها وتداولها الواسع على المواقع خلال تلك المرحلة، كانت النخبة السياســية والتقنية ذات مستوى عام محدود. يعود ذلك في بعض وجوهه إلى تصد ُُّر النخب الحزبية لشغل المناصب اعتمادا على الولاء بقطع النظر عن الكفاءة والخبرة في إدارة الشأن العام. وفي بعضها الآخر إلى تهميش النخب غير المتحزبة وتضييق دائرة توظيف الكفاءات الوطنية رغم توافر أعدادها وتمتع الكثير منها بمســتويات عالية في مختلف المجالات. تحتاج الدمقرطة من جديد إلى توســيع الأفق النخبوي، لضخ مؤسسات الحكم والإدارة بموارد بشرية جديدة ونوعية همََّشتها عقود الاستبداد ولم تجد موقعها المناســب في عشــرية الانتقال الديمقراطي. يحتاج الأمر إلى جرد علمي واسع ومفصــل لتلك المــوارد والتخطيط النزيه لتبويئها مكانتها التي تســتحقها على الصعيــد الفكري والسياســي والثقافي والاقتصادي وغير ذلك، دون اســتخدام الانتماءات السياسية والأيديولوجية شرطا للتوظيف والإقصاء. وما يمكن العمق الإستراتيجي لتونس التفكير بعقل جماعي مفتوح في . 10 أن يشكله ذلك من رافعة لبناء دولة متقدمة، ويعزز مكانتها في الإقليم ومركزها في العالم. فقد نجحت دولة الاستقلال في صناعة سردية سلبية تكرس مقولات الضعف والهشاشــة في الداخل، وتشــرِِّع لعلاقات التبعية الدائمة للخارج. من أبرز تلك المقولات أن تونس دولة صغيرة محدودة الإمكانات المادية والبشرية،

215

Made with FlippingBook Online newsletter