كتاب الانتقال الديمقراطي في تونس

بإرادتهم. وجاء تعبيرا عن شــعور واسع بالرغبة في المشاركة والفعل، وبالقدرة على التأثير والتغيير. وجاء تأكيدا لثقة الناس في العمل السياســي عموما، وفي الحزبية تحديدا، أداة مواطنية للانخراط في الشأن العام. وجاء انسجاما مع روح التأســيس التي خلقتها الثورة وتوافقــت عليها النخبة الجديدة. باختصار، كانت تلك الديناميكية انتقاما واعيا ولا واعيا من حقبة الحزب الواحد والقائد الواحد، التي قامت الثورة ضدها. على أية حال، مع تقدم المســار الانتقالي وتعدد الاستحقاقات الانتخابية، غابت الأغلبية الســاحقة من تلك الأحزاب، إلا عن الســجلات الرســمية، ولم يبــق في الســاحة إلا عدد قليــل ممن يملك الحد الأدنى من القاعدة الشــعبية ومن القدرة التنافســية، فيما يشــبه عملية تصحيح ذاتي. وما بقي فاعلا من تلك الأحزاب يغطي الطيف السياســي والفكري التونســي أو مــا يُُعرف بالعائلات السياســية الكبرى، الإسلاميين والدستوريين واليســاريين والقوميين. فبين هذه العائلات الجامعة، أديرت العملية السياســية خلال عشرية الانتقال الديمقراطي، التي أسهم فيها الجميع، كل بقدر، حكما ومعارضة ومشاركة وائتلافا وتحالفا. وبينها أيضا تطورت الديناميكية غير المسبوقة التي ميزت الحياة السياسية التونسية على مدى عقد كامل. يشهد على تلك الديناميكية تطور البناء المؤسسي الذي كادت لبناته تكتمل على أساس دستور جديد شاركت في إعداده ونقاشه فئات واسعة من التونسيين، وأجيز بما يشــبه الإجماع بين نواب الشــعب المنتخبين. وقد تشكل ذلك البناء من مؤسســات بعثها المجلس التأسيســي، مثل هيئة الانتخابات وهيئة الاتصال الســمعي البصري وهيئة الحقيقة والكرامة. ومنها ما تشــكل أثناء الفترة النيابية ، مثــل المجلس الأعلى للقضــاء. ومنها ما صدرت 2019 و 2014 بيــن عامــي قوانينه الأساســية، مثل المحكمة الدستورية، وهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفســاد، وهيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة، ولكن منظومة الثورة فشــلت في تركيزه على أرض الواقع. كما تشــهد على تلك الديناميكية جملة من الممارســات التي بدأت تتراكم وترسخ لتُُشك ِِّل ثقافة سياسية مشتركة متسقة مع قيم الديمقراطية وتقاليدها. من بين تلك الممارســات، الانتخابات الدورية النزيهة، التي يعترف الجميع بنتائجها ويرضون بما تفرزه من أنصبة في الأصوات

45

Made with FlippingBook Online newsletter