كتاب الانتقال الديمقراطي في تونس

إقصاء أو تمييز. من تجليات هذا الانخراط، النشاط الواسع والفاعل في الفضاء العام، الواقعي والافتراضي، من خلال المتابعة والمناقشــة والمســاهمة بالرأي والفكر والتعبير والاقتراح. فالانخراط في الشــأن العام يخلق في الناس الرغبة في التواصل مع الآخرين، ويعزِِّز لديهم القدرة على التفاعل مع الغير، ويدفعهم للتعايش مع واقع التعدد في الأسماء والتوجهات والخيارات. ومن شأن التعايش مع التعدد أن ينم ِِّي في المجتمع روح التسامح، ويوسع نطاق المشترك، ويشجع على الاعتراف بالرأي المخالف والقبول بالموقف المختلف. في المجال السياســي، تُُختبر تلك القناعات وتلك القيم في المناســبات الانتخابيــة خاصة، وتحديــدا عند التداول على الســلطة. فكلما كانت قناعات التعايش والتســامح والقبول بالآخر أرسخ كان التداول سلميا. نتحدث هنا عن انتخابــات فــي مناخ ديمقراطي تتوافر فيها المعاييــر والضمانات المطلوبة، من حرية وعدالة وتنافســية وشفافية، إضافة إلى حياد سلطة الإشراف. وقد توافرت تلك المعايير والضمانات كلها في الانتخابات التونسية المتعاقبة خلال المرحلة الانتقالية كلها. فإذا انتظمت العملية الانتخابية بتلك الشــروط، وتكررت وفق مواعيد ثابتة ومعلومة، تصبح اســتعدادات الأحزاب للمشــاركة فيها أفضــل، ويزداد إيمان الناس بالتغيير عبر الانتخابات وصناديق الاقتراع، فتتعزز بالتالي الثقة في النظام الديمقراطي ومؤسســاته ومخرجاته. ويصبح التســليم بنتائج الاختيار الشعبي، وبحق الأغلبية في الحكم والمعارضة في النقد والاقتراح والاحتجاج، جزءًًا من الذهنية العامة ومن السلوك الجمعي. وفي غياب تلك الذهنية، يصعب الحديث عن مواطنة حقيقية واعية بحقوقها ومستعدة للدفاع عنها استعدادها لأداء واجباتها تجــاه المجتمع والدولة، وفق ما يضبطه القانون وتقتضيه المصلحة وضرورات العيش المشترك. لا شــك أن هذه العناصر الثقافية لم تتوافر كلها بنفس القدر ولم تجتمع دفعة واحدة وبالتســاوي في عموم الشعب التونســي خلال المرحلة الانتقالية. ولكنها بالتأكيد، أخذت تتشكل وتنمو بالتدريج وبصورة ملحوظة، وستحتاج إلى المزيد من الوقت لتنمو وتترعرع وتمد جذورها عميقًًا. فقد تهيََّأت البيئة المناسبة لتخلُُّق ثقافة سياســية تونســية داعمة للديمقراطية، متسقة مع قيمها وممارساتها

47

Made with FlippingBook Online newsletter