كتاب الانتقال الديمقراطي في تونس

فإنه يظل جهدا معرفيا خالصا، وفي أحسن الأحوال تكون له آثار نفسية إيجابية على بعض الضحايا. وتفكيك منظومات الاســتبداد والفســاد، إذا لم تتوافر له آليات عملية لتطبيقه يظل تمرينا ذهنيا خالصا، وفي أحسن الأحوال تكون له آثار نفسية رادعة لبعض المنخرطين في تلك الشبكات. وفي غياب الإرادة السياسية لتحويــل هــذا الجهد إلى واقع، لا يمكن تحقيــق المصالحة الوطنية، التي تُُعد الهدف النهائي لمسار العدالة الانتقالية. إن مســؤولية التقصيــر في عدم بلوغ مســار العدالة الانتقاليــة إلى نهايته وتحقيــق أهدافه كلها واضحة. فالدولة لم تكن مســتعدة حتى لمجرد الاعتذار لضحاياها، فضلا عن محاســبة مســؤوليها أو دفعهم للاعتراف بجرائمهم. أما جبر الأضرار التي لحقت بالضحايا، سواء ماديا أو معنويا، فقد تحول إلى مادة للجدل العمومي وأفرغته التجاذبات السياسية من أي محتوى. يتجلى فشل الدولة أيضا في امتناع أجهزتها عن مواصلة هذا المسار بعد انتهاء أعمال هيئة الحقيقة والكرامة؛ فلم نشهد بعث مؤسسات معنية بذلك، ولا إطلاق آليات للتعامل مع الملفات المفتوحة، ولا توفير الإمكانات اللازمة لتنفيذ التوصيات والمقترحات تتولى " الواردة في تقرير الهيئة. فالقانون الأساسي للعدلة الانتقالية ينص على أن الحكومة، خلال ســنة من تاريخ صدور التقرير الشــامل عن الهيئة، إعداد خطة وبرامــج عمل لتنفيذ التوصيات والمقترحات التي قدمتها الهيئة، وتقدم الخطط . وبدلا من أن تستكمل ((( " والبرامج إلى المجلس المكلف بالتشــريع لمناقشتها الدولة هذا المســار، تحولت رئيســة الهيئة إلى متهمة، فتعرضت إلى عدد من ، على خلفية 2024 المضايقات، وأُُودِِعت الســجن، في شــهر أغســطس/آب اتهامات بتزوير التقرير الختامي. . حدود الانتقال ومآزقه 5 طبيعي أن تكون للاستثناء التونسي حدود، من داخله ومن خارجه. بل إن فكرة الاستثناء بطبعها محدودة لخروجها عن عموم القاعدة. وما لم تتسع دائرة الاستثناء فيتحول بالتدريج إلى نموذج ضمن مجال القاعدة، فإن استثنائيته كفيلة بوضع حد لنهايته. ولم تكن تلك الحدود غائبة عن المتابعين للتجربة التونسية، من القانون الأساسي لإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها، مرجع سابق. 70 المادة (((

53

Made with FlippingBook Online newsletter